أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مالك الجبوري - الدولة الأمنية بين أسطورة الحصانة وواقع الاختراق: قراءة في التجربة الإيرانية














المزيد.....

الدولة الأمنية بين أسطورة الحصانة وواقع الاختراق: قراءة في التجربة الإيرانية


مالك الجبوري

الحوار المتمدن-العدد: 8643 - 2026 / 3 / 11 - 22:35
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في الدول التي تعيش صراعًا مفتوحًا وطويل الأمد، يتحول الأمن من وظيفة إلى هوية، ومن جهاز إلى فلسفة حكم. تتشكل الدولة حول فكرة “التهديد الدائم”، وتُبنى شرعيتها على وعد الحماية، وتُبرر توسعها الداخلي باسم الخطر الخارجي. غير أن المفارقة تبدأ حين يتحول هذا الوعد إلى اختبار علني: ماذا يحدث حين تُخترق الدولة التي قامت على فكرة الحصانة؟ وماذا يبقى من خطاب القوة عندما يتكرر وصول الخصم إلى قلب البنية الحساسة؟
ليست مسألة اختراق إيران أمنيًا مجرد مادة إعلامية أو دعاية متبادلة في صراع إقليمي مفتوح، بل هي مدخل لفهم طبيعة الدولة المعاصرة حين تتحول إلى كيان يعيش تحت ضغط دائم بين خطاب القوة وواقع الاختراق. منذ سنوات، تقدّم الجمهورية الإسلامية نفسها بوصفها دولة أمنية متماسكة، تمتلك شبكة استخبارات واسعة وقادرة على إدارة صراع طويل الأمد مع خصومها. غير أن سلسلة الأحداث التي شهدها الداخل الإيراني – من اغتيالات نوعية إلى عمليات تخريب وتسريب وثائق – تطرح سؤالًا مختلفًا: هل المشكلة في قوة الخصم أم في طبيعة البنية الأمنية ذاتها؟
تملك إيران منظومة أمنية متعددة الرؤوس؛ وزارة الاستخبارات من جهة، وأجهزة استخبارات الحرس الثوري من جهة أخرى، فضلًا عن أجهزة أمن داخلي ورقابة إلكترونية واسعة. داخليًا، تبدو هذه المنظومة فعّالة في السيطرة على الاحتجاجات، وملاحقة المعارضين، وضبط المجال العام. لكنها في الوقت ذاته تعكس طبيعة دولة ترى في الأمن شرطًا سابقًا على السياسة، وفي الاستقرار أولوية تتقدم على المشاركة.
غير أن وظيفة الأمن لا تُقاس فقط بقدرته على ضبط الداخل، بل بقدرته على منع الاختراق الخارجي. وهنا تحديدًا تبدأ علامات الاستفهام.
تُنسب إلى الموساد عمليات داخل العمق الإيراني، أبرزها اغتيال العالم النووي محسن فخري زادة عام 2020، إضافة إلى عمليات تخريب منشآت حساسة والاستيلاء على أرشيف وثائقي مرتبط بالبرنامج النووي. بغض النظر عن التفاصيل العملياتية الدقيقة، فإن تكرار الحوادث يشير إلى وجود ثغرات بنيوية، سواء على مستوى التنسيق بين الأجهزة، أو على مستوى مكافحة التجنيد البشري، أو في إدارة الصراع الاستخباراتي طويل النفس.
الدولة الأمنية قد تبدو صلبة من الخارج، لكنها حين تتكاثر أجهزتها وتتنافس مراكز قوتها، قد تتحول إلى فضاء قابل للاختراق من الداخل. تعدد الأجهزة لا يعني بالضرورة تعدد الكفاءة؛ أحيانًا يعني تضارب الصلاحيات، وسباق النفوذ، وحجب المعلومات بين المؤسسات. في مثل هذه البيئات، يصبح الاختراق ممكنًا ليس بسبب ضعف مطلق، بل بسبب انقسام صامت داخل البنية نفسها. وكلما ازداد الطابع الأيديولوجي للمؤسسة، ازداد خطر تسييس القرار الأمني، فتُقدَّم الولاءات على الكفاءة، وتُفضَّل الثقة السياسية على المهنية الصرفة.
الأمر لا يتعلق فقط بقدرة جهاز أجنبي على تنفيذ عملية، بل بمدى قدرة الدولة على امتصاص الضربة دون أن تتحول إلى أزمة شرعية داخلية. الدولة التي تبني صورتها على التفوق الأمني تجد نفسها في مأزق حين يتكرر الاختراق؛ إذ يصبح الحدث الأمني مسألة رمزية تمس صورة النظام نفسه. كل عملية اغتيال أو تخريب لا تُحرج المؤسسة الأمنية فحسب، بل تضغط عليها سياسيًا، وغالبًا ما تُترجم هذه الضغوط إلى تشديد القبضة الداخلية تحت عنوان “الأمن القومي”. وهنا يتجلى أحد تناقضات الدولة الأمنية: كلما تعرّضت لاختراق خارجي، شددت قبضتها على الداخل، وكأن المجتمع هو الحلقة الأضعف التي تُدفع ثمن صراع لا يملك قراره.
الصراع بين إسرائيل وإيران لم يعد تقليديًا. هو صراع عقول ومعلومات قبل أن يكون صراع صواريخ. إسرائيل تتبنى ما تسميه “الحرب بين الحروب”، أي إضعاف الخصم تدريجيًا دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة. وإيران، في المقابل، تعتمد شبكة حلفاء ووكلاء إقليميين لإدارة الردع غير المباشر، بحيث تتحول الجغرافيا الإقليمية إلى مجال اشتباك مفتوح بالوكالة. بين النموذجين، تصبح المنطقة كلها ساحة رسائل متبادلة، تتداخل فيها العمليات الاستخباراتية بالسياسة وبالاقتصاد وبالحرب النفسية.
لكن السؤال الأعمق لا يتعلق بإيران وحدها، بل بطبيعة الدولة في الشرق الأوسط عمومًا. هل القوة تُقاس بالقدرة على الرد الخطابي ورفع الشعارات، أم بالقدرة على حماية البنية الداخلية من الاختراق؟ وهل الدولة التي تملك أجهزة أمنية متعددة وقوية داخليًا، لكنها تتعرض لعمليات نوعية في قلبها، يمكن وصفها بالضعف أم بالانكشاف الجزئي؟
في عالم الاستخبارات لا توجد حصانة مطلقة. كل جهاز يمكن اختراقه إذا توافرت الموارد والصبر والمعلومة. غير أن الفارق بين دولة وأخرى يكمن في حجم الثغرات وفي قدرتها على تقليصها، وفي مدى خضوع أجهزتها للمساءلة المؤسسية بدل الاكتفاء بالولاء السياسي. إيران ليست دولة منهارة أمنيًا، لكنها أيضًا ليست محصّنة كما يوحي خطابها الرسمي. وبين هذين الحدّين يتحرك الواقع: دولة قوية داخليًا، تواجه تحديات جدية في إدارة حرب ظلّ طويلة ومعقدة، وصراعًا يتجاوز حدودها الجغرافية إلى عمق بنيتها.
الاختراق هنا ليس مجرد حادث أمني؛ إنه اختبار دائم لهيبة الدولة، ولمدى تطابق خطابها مع واقعها. وحين يصبح التناقض بين الرواية الرسمية والوقائع المتكررة واسعًا، تتحول القضية من مسألة أمنية إلى مسألة سياسية بامتياز، وتصبح الحصانة المعلنة جزءًا من خطاب يحتاج هو نفسه إلى مراجعة.



#مالك_الجبوري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بين خطاب الحسم وتحذير الجنرال: هل تقترب الحرب… وأين يقف العر ...
- الشرق الأوسط على حافة التصعيد: العراق في قلب العاصفة المقبلة
- الجنيّة التي أنقذت السردية: قصة أم كلثوم كما لم تُحكَ
- بين الردع والعقيدة: لماذا لا يريد ترامب الحرب مع إيران
- نوري المالكي ومعنى الدولة المفقود: الطائفية، السلطة، وانهيار ...
- قراءة في منطق الردع وإدارة الخوف في التوتر الأميركي–الإيراني
- إيران 2026: حين يتحوّل القتل الجماعي إلى سياسة دولة
- لماذا تُرك الحسين؟... قراءة تاريخية خارج السرد الطقسي
- التغلغل الإيراني في أوروبا: مقاربة مقارنة مع الإسلام السياسي ...
- العراق بين الدولة المعطوبة والهيمنة بالوكالة: تفكك السيادة ف ...
- إذا سقطت طهران: من سيربح الشرق الأوسط… ومن سيدفع ثمن الفوضى؟
- حين يصبح الإنسان تفصيلًا في السياسة الأميركية
- فنزويلا… صورة واحدة ونهاية وهم السيادة
- حين تفقد الدولة سيطرتها على الفضاء العام ... حادثة البصرة نم ...
- من يملك الإكراه في العراق ؟ (2/2)
- وهم نزع السلاح في العراق (1/2)
- صومالي لاند في سياق النفاق البنيوي للنظام الدولي
- أوروبا تحت الضغط: من فشل الاندماج إلى تشديد القوانين على الد ...
- العراق ..... حين يصبح السؤال عن الحاكم بلا جدوى
- حين يستعيد العقل مكانته: تفكيك سلطة النص ومسارات النقد الدين ...


المزيد.....




- الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران تشلّ آسيا.. ذعر الطاقة ...
- وكالة الطاقة: حرب إيران تسبب -أكبر اضطراب في إمدادات النفط- ...
- DW تتحقق: تضليل وتزييف في حرب إيران
- من يربح من نار الحرب؟ أسرار المال خلف الصراع مع إيران
- توقف تصدير الأسمدة .. حرب إيران ترفع أسعار المواد الغذائية
- هجمات إيرانية مستمرة على الخليج.. هل تحمي القواعد الأمريكية ...
- مراسل فرانس24 بالعراق: ارتفاع حصيلة ضحايا الهجمات على مقرات ...
- هجوم أوكراني على محطة نفط روسية ولقاء مرتقب بين زيلينسكي وما ...
- هل يدفع الغرب الثمن الأكبر لحرب إيران؟
- -نقض الغزل-.. كيف يحذرنا القرآن من إبطال العمل بعد إتقانه


المزيد.....

- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي
- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان
- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مالك الجبوري - الدولة الأمنية بين أسطورة الحصانة وواقع الاختراق: قراءة في التجربة الإيرانية