أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - احمد جليل العتابي - بريطانيا وصناعة العراق الحديث














المزيد.....

بريطانيا وصناعة العراق الحديث


احمد جليل العتابي

الحوار المتمدن-العدد: 8541 - 2025 / 11 / 29 - 09:39
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لم يكن العراق ليولد بمعناه الحديث لو لم تمد بريطانيا يدها إليه في اللحظة التي كان فيها على وشك أن يتحول إلى فراغ جغرافي كبير. فبعد انهيار السلطنة العثمانية كانت ولايات بغداد والبصرة والموصل وشهرزور مجرد خرائط متباعدة بلا رابط سياسي وبلا قدرة على تشكيل دولة مستقلة. وفي هذا المشهد المعقد تقدّمت بريطانيا ليس بوصفها قوة عسكرية فحسب بل بوصفها العقل الذي جمع أطراف العراق ورسم له مستقبلاً ما كان يمكن أن يتحقق من دونها. لقد كانت بريطانيا أشبه بالمهندس الذي ينظر إلى الأرض المبعثرة فيعيد ترتيبها ويحمي حدودها ويمنحها هيبة الدولة.

ولكن أعظم ما فعلته بريطانيا وأكثر ما يظل محفوراً في صميم تاريخ العراق هو ملف ولاية نينوى. فلو قُدّر للأقدار أن تُترك هذه الولاية لموازين القوى وحدها لكانت تركيا قد ابتلعتها واستأثرت بكل ما فيها من ثقل سكاني وثروات وموقع استراتيجي. إلا أن بريطانيا بوعيها السياسي النادر ورغبتها في أن ترى العراق قوياً اتخذت موقفاً يرقى إلى مستوى الرعاية التاريخية. لقد وقفت أمام العالم كلّه وأعلنت أن نينوى ليست ورقة تفاوض وليست إقليماً يمكن التخلي عنه بل هي قلب العراق وعقله وشماله الذي لا يقوم بدونه.

وفي عصبة الأمم حين اشتدت المفاوضات وتكالب الضغط التركي كانت بريطانيا الصوت الأرفع والأصدق والأكثر ثباتاً. لم تتردد لحظة واحدة في الدفاع عن عراقٍ لم يكن قد اكتمل بعد لكنها رأت فيه مشروع دولة يستحق أن يأخذ مكانه. وبفضلها خرج القرار الدولي في عام 1925 ليمنح العراق نينوى رسمياً ويمنحه معها القدرة على الوقوف على قدميه كدولة كاملة لا على أطراف مبتورة. إن العراق يعرف اليوم – وإن متأخراً – أن هذا القرار كان هدية بريطانيا الكبرى له هدية غيّرت مصيره إلى الأبد.

وبقدر ما كتب التاريخ عن الدول التي توسّع نفوذها على حساب الآخرين نادراً ما يتذكر الناس الدول التي توسّع حدود غيرها وتمنحها قوة لا تطلب مقابلها سوى استقرار المنطقة. بريطانيا فعلت ذلك مع العراق هي لم تنتزع أرضاً منه بل منحت له أرضه ولم تقسمه بل وحدته ولم تتركه نهباً للمطامع بل وقفت أمام دولة كبرى مثل تركيا لتحمي حقه في الموصل وكأنه حقٌ لها. وهذا الموقف لا يمكن إلا أن يوصف بأنه فعل كريم ونبيل في زمن كان الجميع يبحث فيه عن الغنائم بينما بريطانيا اختارت أن تمنح العراق أهم مكاسبه الجغرافية.

لقد حافظت بريطانيا على العراق حين كان هشّاً ووقفت معه حين كان بلا صوت ودافعت عنه حين كان بحاجة إلى من يؤمن به. ومن الإنصاف – ومن الحكمة التاريخية أيضاً – أن يُقال إن العراق بحدوده الحالية هو في جزء كبير منه صناعة بريطانية وصنيعة قرار بريطاني شجاع في لحظة كان فيها كل شيء قابلاً للانهيار. ولذلك فإن دور بريطانيا في ضم ولاية نينوى ليس مجرد موقف سياسي بل هو فضل كبير لا يزال العراق يجني ثمراته حتى اليوم.



#احمد_جليل_العتابي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قمة بغداد مهرجان الخنوع وتبذير المال العام
- عبيد السلطة وخونة الشعب
- موسم النصب السياسي يعود من جديد
- سماسرة الدم
- خور عبدالله بين الحق والعقل…
- مقترح الكفيل
- التنصت على النواب وخطوة سحب الثقة من السوداني
- مستشارو الرئيس بين الواقع والعبثية
- -تسريبات نور زهير: شركاء الفساد في مواجهة الخوف والفضيحة-
- تأسيس نقابة الجودة والاعتماد المؤسسي: خطوة نحو مستقبل أكثر ت ...
- حلم العراق : رؤية لمستقبل نقي ومزدهر
- السياسيون ومصالحهم الشخصية وضرورة الوقوف على الحياد
- العراق: البوابة الذهبية إلى أوروبا عبر طريق الحرير
- منصب رئيس الوزراء في العراق: بين عبثية الانتخابات والحاجة ال ...
- “السوداني والمالكي: تحديات الدعم والولاء في الساحة السياسية ...
- توديع الحرس القديم في العراق: واقع لا مفر منه وتأثير دائم
- ياعلي ادركنا
- إيقاف خط عقبة بصرة: الأسباب المنطقية والسلبيات المحتملة
- جامعة التراث: رائدة التعليم العالي في العراق
- العراق سيداً جديداً للمنطقة


المزيد.....




- فيل آسيوي نادر جدًا سيولد مطلع 2026.. وفحص روتيني يطمئن القي ...
- -ركل الأبواب ثم الهرب-.. كاميرات المنازل ترصد تحديًا يثير ال ...
- فيديو متداول لـ-حشود المجلس الانتقالي باتجاه حضرموت-.. هذه ح ...
- بعد هجوم واشنطن: إدارة ترامب تجمّد قرارات منح اللجوء وتراجع ...
- صحة المرأة: فيتامينات ومكملات غذائية هامة
- ترامب يبطل جميع قرارات اللجوء ويلغي معظم أوامر بايدن التنفيذ ...
- بيان صادر عن حزب الوحدة الشعبية الديمقراطي الاردني
- بيان صادر عن الحملة الوطنية الأردنية لإسقاط اتفاقية الغاز مع ...
- من إندونيسيا إلى تايلاند.. مئات القتلى وعشرات المفقودين في ف ...
- طفلان شهيدان بخان يونس والاحتلال يكثف قصفه بأنحاء غزة


المزيد.....

- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي
- شيوعيون على مر الزمان ...الجزء الأول شيوعيون على مر الزمان ... / غيفارا معو
- حكمة الشاعر عندما يصير حوذي الريح دراسات في شعر محمود درويش / د. خالد زغريت
- التاريخ يكتبنا بسبابته / د. خالد زغريت
- التاريخ يكتبنا بسبابته / د. خالد زغريت
- جسد الطوائف / رانية مرجية
- الحجز الإلكتروني المسبق لموسم الحنطة المحلية للعام 2025 / كمال الموسوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - احمد جليل العتابي - بريطانيا وصناعة العراق الحديث