الشهيد البطل سلام عادل صفحة مضيئة وناصعة في تاريخ الحزب الشيوعي العراقي 2


فلاح أمين الرهيمي
2024 / 6 / 22 - 20:09     

في عام/ 1949 تعرض الحزب الشيوعي العراقي إلى ضربة مدمرة ومؤلمة التي وجهتها له القوى العميلة والرجعية بمساعدة بعض المنهارين الخونة ذهب ضحيتها قادة الحزب الأبطال (فهد وحازم وصارم) واعتقل معظم كوادره والذين فلتوا من قبضة السجان والاعتقال عاشوا متخفين بسبب ظروف الإرهاب القاسية حيث كان رجال الأمن يترصدون في الشوارع والمقاهي والمعامل والمدارس أثر الشيوعيون من أجل إلقاء القبض عليهم ... كما سببت هذه الانتكاسة أثر بليغ وسلبي على الحركة الوطنية العراقية واضطر حزب الوطني الديمقراطي وحزب الأحرار تجميد نشاطهما احتجاجاً على الإرهاب البوليسي الهمجي وبسبب الظروف الصعبة التي فرضت على البلاد انتكس وصعب الكفاح الوطني وحرم الشعب من كل وسيلة للتعبير عن احتجاجه وسخطه من الأوضاع الفاسدة. وبالرغم من اتساع شبكات التجسس والأمن واكثار نقاط التفتيش والمراقبة للقبض على الشيوعيين في داخل المدن وما بينها فإن الشيوعيين المتخفين كانوا يواصلون نشاطهم داخل المدن ويتنقلون بين مدينة وأخرى من أجل إعادة بناء الحزب وتنظيماته المنتشرة في جميع أنحاء العراق واستطاع الحزب من الحصول على آلة رونيو وطابعة طبع فيه منشور يؤكد أن الحزب الشيوعي حياً ويواصل نشاطه من أجل تحرير الوطن وحرية الشعب.
كان بناء الحزب وأساسه الفكري متيناً لا يتزعزع وكان يعيش في قلوب الجماهير... لأن الحزب لا يقاس بعدد أعضائه وإنما بسعة جماهيره لأن الحزب الشيوعي ولد من رحم المجتمع وولد حسب ظروف حتمية التاريخ على أساس الضرورات التاريخية لتمثيل العمال والفلاحين والكسبة والطلاب والحرفيين والمثقفين الثوريين ويهتدي بأرقى نظرية علمية (الماركسية – اللينينية) فلا يمكن القضاء عليه بالرغم من أن الظروف حتمت أن تكون القيادة الجديدة قليلة التجارب وثقافتهم النظرية السياسية قليلة أيضاً من أن تؤهلهم للمراكز الحزبية القيادية التي شغلوها بحكم الظروف التي سلبت الحزب قيادته الحكيمة المجربة وكوادره المتقدمة ... إلا أنهم يمتازون بإخلاصهم اللامتناهي لقضية حزبهم وشعبهم والجهادية العالية ... كما أن حبهم وشعورهم العالي بالمسؤولية وثقافتهم في سبيل الحزب والشعب هما اللذان دفعهم للاضطلاع بالمهام الحزبية التي أملاها الواجب النضالي والتضحية والإخلاص وعلى الرغم من حقيقة أن الحزب استطاع أن يتجاوز محنته وينهض بسرعة مذهلة وإعادة بناء كيانه ولم تنظيمات صفوفه إلا أن أثر تلك الانتكاسة ظل ملقياً بكابوسها على عمل الحزب ونشاطه السياسي والتنظيمي وقد انعكس كذلك في التعثر والاضطراب في عمله وخاصة في تفشي المقاييس والإجراءات السياسية الخاطئة والبيروقراطية في التنظيم الحزبي الأمر الذي ترك أثره السلبي على عمل الحزب ونشاطه الذي اتسم بالانعزالية في التكتيكات اليومية مما أدى إلى ظهور وإفرازات التكتلات والانقسامات داخل صفوف الحزب ... وكان الانتهازيون يتربصون الفرص لضرب الحزب وكانت محنة الحزب وانتكاسته فرصتهم الذهبية ... في أوائل شهر نيسان/ 1949 انشق مجموعة من أعضاء عرفوا أنفسهم بـ (النجميين) واتخذوا لأنفسهم مقراً ثانياً وأعلنوا حرباً شعواء على الحزب وأصبحوا يذيلون منشوراتهم باسم (الحزب الشيوعي العراقي) وإخلاصهم للشعب العراقي وطبقته العاملة وتمسكهم الصارم بالنظرية الماركسية اللينينية وعزمهم على تطهير الحزب من العناصر القيادية الغريبة عن الحزب الشيوعي العراقي وحملوا فهد وحازم وصارم مسؤولية ما حدث في الحزب من خيانات وأخطاء. وقد انهارت هذه الكتلة الانتهازية بعد مرور ستة أشهر من انفصالها من الحزب.
وفي أواخر عام/ 1949 وفي مدينة السليمانية نشأت كتلة انشقاقية انتهازية جديدة زعمت أن الحزب الشيوعي العراقي قد انهار ودعت إلى اتحاد الشيوعيين في حزب واحد لإعادة تأسيس الحزب الشيوعي العراقي وقد عرفت هذه الكتلة بـ (الاتحاديين) هي الأخرى لم تعش سوى أشهر معدودات حلت نفسها ووضع خيرة عناصرها أنفسهم تحت تصرف الحزب الشيوعي العراقي ... وفي نفس العام ظهرت كتلة انتهازية جديدة من عناصر كانوا يعملون خارج صفوف الحزب الشيوعي وقد سميت نفسها (جماعة الوعي الماركسي) وكانت هذه الكتلة الانتهازية تدعو إلى عدم ضرورة وجود الحزب الشيوعي وإنما تدعو إلى خلق جيل من الشباب واع ماركسياً وهذه المجموعة لم تلق سلاحها إلا بعد سبعة سنوات في عام/ 1956 حيث وضعوا أنفسهم تحت إرادة الحزب الشيوعي العراقي ... لقد كافح الشيوعيون العراقيون خلال أيام انتكاستهم على جبهتين الأولى جبهة الكفاح ضد الانتهازيين بشتى فصائلهم والثانية ضد جبهة الاستعمار والرجعية.
وفي مطلع عام/ 1953 انشق عن الحزب عدد كبير من كوادره تحت شعار انتشال الحزب من القيادة (اليسارية) التي رفعت شعار (الجمهورية العراقية) الذي اعتبرته الكتلة المنشقة شعاراً يسارياً متطرفاً ... لأن الكتلة كان الأساس الفكري لها والانحدار الطبقي يدل على حسن الظن بنوايا الطبقة البورجوازية الحرة بصدد إقامة جبهة وطنية موحدة مع الحزب الشيوعي العراقي وإلقاء اللوم في تأخر قيام الجبهة على عاتق الحزب الشيوعي وسياسته ونشاطه الثوري الذي اعتبرته الكتلة المنشقة متطرفاً وانعزالياً. وكانت هذه الكتلة مؤلفة بالأساس من نخبة من كوادر الحزب القديمة التي عزلتها السجون عن مجرى الحياة والجماهير وقد شجع الكتلة على الانشقاق التأخر في معالجة العمل الفكري داخل الحزب بأسلوب علمي وصائب ومبدئي وقد أصدرت الكتلة جريدة سرية باسمها (راية الشغيلة).
انتخبت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي في اجتماعها المنعقد في حزيران/ 1955 الشهيد البطل سلام عادل سكرتير لها ... وهو الذي ساهم مساهمة فعالة في القضاء على الخط الانعزالي للحزب في الحركة الوطنية وطور سياسة الحزب على أساس القيادة الجماعية وعزز وحدة الحزب الفكرية والتنظيمية ... لقد اعتبر المناضل الشهيد سلام عادل أن العمل من أجل وحدة القوى الوطنية يكتسب أهمية قصوى كما هو شأنه دائماً ... إلا أن وجود تيارات ومنظمات انشقاقية تعمل ضد الحزب الشيوعي وضد وحدته كان يعرقل حينئذ مهمة الحزب في تكريس جهوده لوحدة القوى الوطنية ولذلك فإن كفاح الحزب ضد تلك التيارات والمنظمات أصبح جزءاً من كفاحه الوطني العام ... لقد أدرك الحزب هذه الحقيقة بوضوح تام فاتجه إلى تشديد فعاليته وكفاحه الحازم لفضح الأفكار والتيارات الانقسامية من جهة وإلى معالجة مسألة تصفية تلك المنظمات بروح إيجابية من جهة أخرى ... ومن الضروري الإشارة بهذا الصدد إلى أعمال المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي في الاتحاد السوفيتي التي قدمت في ذلك الحين للحزب وللحركة الشيوعية في العراق مساعدة فكرية كبرى في هذا السبيل ... ودخل ممثلو الحزب الشيوعي العراقي وممثلو منظمتي (راية الشغيلة) و (وحدة الشيوعيين) في مفاوضات سادها جو مبدئي إنشائي تكللت في أواخر نيسان من تلك السنة باعتراف منظمة (وحدة الشيوعيين بخطأهم وتقدم مناضلوها للانضمام للحزب الشيوعي وخولت اللجنة المركزية للحزب بإصدار بيان بذلك ... وصدر البيان في 25/ نيسان/ 1956 ... كما تكللت المفاوضات مع (راية الشغيلة) وأصدرت بيان في 13/ حزيران/ 1956 الذي اعترفت فيه بأنها سلكت سلوكاً انشقاقياً تخريبياً خاطئاً بتأسيس تنظيمها ومركزها القيادي المستقل الذي ذكرت خطوتها التي أسمتها (انتشالاً) كانت مخالفة صريحة لمبادئ الماركسية – اللينينية التي توصي بوحدة الحزب وتقدم المناضلون الذين سبق لهم العمل في (راية الشغيلة) للانضمام للحزب الشيوعي وفي ذلك التاريخ أيضاً تقدم آخرون من المنشقين عن الحزب الشيوعي العراقي بطلبات الانتماء إلى الحزب الشيوعي مشفعين طلباتهم بالانتقاد الذاتي وهذه الظاهرة التي جعلت (وحدة الشيوعيين) و (راية الشغيلة) وآخرين من المنشقين العودة والانصهار مع الحزب الشيوعي العراقي ما لمسوا به من القيادة الرشيدة والمخلصة لمبادئ الماركسية – اللينينة للمناضل الشهيد البطل سلام عادل كما كانت تلك النتائج انتصاراً باهراً للحزب ولأفكار الماركسية – اللينينية مما استدعى اللجنة المركزية إلى إصدار بيانها العتيد في 17/ حزيران/ 1956 الذي رحبت فيه بعودة المناضلين الحزبيين ودعت فيه إلى تعزيز وتوطيد وحدة الحزب الشيوعي العراقي وكان البيان لم يقتصر على الترحيب بالمناضلين وعودتهم للحزب وإنما عرف الأفكار والشعارات الانشقاقية ... كما تناول بالنقد التصرفات والمقاييس البيروقراطية التي أدت إلى هذه الانشقاقات والطريقة التي عولجت فيها في السابق. وفي يوم 19/ حزيران/ 1956 أصدرت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي دعوة إلى رفاق الحزب وأصدقائه في المساهمة وإبداء الاقتراحات في اختيار اسم جديد بدلاً من اتحاد الشعب وقد تم اختيار اسم جديد للجريدة المركزية للحزب (صوت الشعب) ومنذ ذلك الوقت اختط الحزب بقيادة المناضل الشهيد البطل سلام عادل سكرتير اللجنة المركزية للحزب منهجاً جماهيرياً في العمل السياسي ومنهجاً تنظيمياً عزز كيانه ووحدته واتخذت المشروعية الحزبية والمبادئ التنظيمية وفق الأسلوب اللينيني طريقها إلى حياة الحزب النضالية الداخلية وقد تتوج هذا النهج السياسي والتنظيمي بعقد المجلس الحزبي (الكونفرنس الثاني في أيلول / 1956 بالرغم من ذلك الجو الإرهابي وكانت وثيقة برنامجه بعنوان (في سبيل تحررنا الوطني والقومي) ... وقد كرس الحزب الشيوعي العراقي بعد تولي المناضل الشهيد سلام عادل قيادة الحزب الشيوعي العراقي جهده للعمل في حقل العلاقات الوطنية والحركة الديمقراطية الاجتماعية فاتصل ممثلو الحزب الشيوعي بقادة الحزب الوطني الديمقراطي وعدد من العناصر الديمقراطية المستقلة وقد استجاب هؤلاء جميعاً لفكرة التعاون الوثيق في الحقل الوطني كما أقروا جميعاً أن المطاليب الوطنية لا يمكن تحقيقها إلا بالنضال الموحد لجميع القوى الوطنية وبعد تحديد أهم المطاليب الوطنية تم الاتفاق على أن تبدأ بتوحيد المواقف السياسية والمضي بتعزيز الصلات مع الأطراف الأخرى حتى يصار إلى هدم السدود والعوائق بين جميع الأطراف والاتفاق على ميثاق عمل وطني مشترك والعمل في جبهة وطنية موحدة سياسياً وتنظيمياً ... وقامت في أواخر العام نفسه في تكوين لجنة واسعة مفتوحة من الشباب المثقف (شيوعيين وديمقراطيين مستقلين ووطنيين ديمقراطيين وقوميين مستقلين وحزبيين وكانت هذه اللجنة بلا اختصاص محدود فمرة تبحث في شؤون الأدب وأخرى تبحث في شؤون السلم وثالثة تبحث في الشؤون العربية (سوريا ومصر والجزائر) ورابعة تبحث في شؤون النقابات والمنظمات القائمة آنذاك وأبرز عمل سياسي قامت به (اللجنة) على الصعيد الوطني الداخلي هو تأييد إنشاء حزب المؤتمر الوطني الذي تقدم بطلب تأسيسه قادة حزبي الوطني الديمقراطي والاستقلال وإلى جانب هذه اللجنة عقدت اجتماعات لممثلي اتحاد الطلبة العام العراقي (السري) وممثلي القوى الوطنية الطلابية الأخرى في سبيل توحيد الحركة الطلابية وتمثيلهم في الاتحاد العام. وقد أفرزت هذه الاجتماعات بعض النتائج الإيجابية منها : تقارب وجهات النظر حول طبيعة العمل الطلابي واندماج التنظيمات الطلابية في كردستان العراق وإرسال وفد طلابي مشترك في صيف عام/ 1956 لحضور مؤتمر الطلبة الآسيويين – الأفريقيين في باندونغ كما عقدت اجتماعات مشابهة لتأليف منظمة موحدة للشبيبة العراقية. وكانت مداولاتها مفيدة لوضع أسس هذه المنظمة غير أن المنظمة لم تتألف فعلاً لافتعال بعض العوائق. ولكن بالرغم من ذلك فقد أعطت هذه الاجتماعات بعض النتائج الإيجابية منها : تقارب وجهات النظر حول طبيعة النشاط الطلابي واندماج التنظيمات الطلابية في كردستان وإرسال وفد طلابي مشترك في صيف عام/ 1956 لحضور مؤتمر الطلبة الآسيويين – الأفريقيين في ساندونغ كما عقدت اجتماعات متشابهة لتأليف منظمة موحدة للشبيبة العراقية.
أما على الصعيد السياسي فقد اقترح ممثلو الحزب الوطني الديمقراطي أن يكون الاتصال بين الحزب الشيوعي والأحزاب الأخرى عن طريقهم فقط أي عن طريق الحزب الوطني الديمقراطي لأن الظرف لم يكن ملائماً (حسب وجهة نظر الحزب الوطني الديمقراطي) لوجود حساسية لديهم في النشاط والعمل مع الشيوعيين (هذه هي طبيعة البورجوازية التردد والتخوف في الظروف الصعبة وعدم اتخاذ المواقف الجريئة والشجاعة في مواجهة الطبقات الأخرى وحتى في المواقف الحاسمة مع الدول الاستعمارية وعملائها) وقد طلب الحزب الوطني الديمقراطي أن يكون هو الوسيط في نقل آراء ومقترحات الحزب الشيوعي العراقي إلى الأطراف الاخرى والسعي لتمهيد الطريق للاتصال المشترك وكسر حاجز الحساسية والتردد معهم إلا أن ظروف عام/ 1956 كانت ظروف فرضت نفسها بالضغط المتزايد على الحركة الوطنية بمجموعها وظروف تصاعد حركة التحرر في الوطن العربي وفي أنحاء العالم والمواقف الجريئة والشجاعة لقوى المعسكر الاشتراكي الجبار بقيادة الاتحاد السوفيتي وظروف انعزال زمرة نوري السعيد العميلة للاستعمار ومواقفها الخائنة لحركات التحرر العربي هيأت كل مقومات وأسباب الاتصال والتعارف والتعاون بين الأحزاب المختلفة وعلى رأسها الحزب الشيوعي العراقي بقيادته الحكيمة والشجاعة (سلام عادل) الذي كان أوسع نشاطاً وأدق تنظيماً وأوسع جماهيرياً والأكثر استعداد للعمل في الجبهة الوطنية وفي ربيع عام/ 1956 بادر ممثلو الحزب الشيوعي العراقي إلى الاتصال بممثلي حزب البعث العربي الاشتراكي الذي نظم نفسه بشكل سري وأصدر نشرة خاصة به واستمر الاتصال والتعاون مع هذا الحزب على انفراد حتى أن الحزب الشيوعي العراقي تبرع لحزب البعث العربي الاشتراكي بمطبعة عندما كبس وكر لحزب البعث العربي الاشتراكي في شارع أبو قلام في بغداد من قبل مديرية التحقيقات الجنائية (مديرية الأمن العامة) وصادر مطبعته. وفي نفس الفترة تقريباً اتحدت أجزاء حزب (البارتي) الكردي وأصدرت بيان التأسيس باسم (الحزب الديمقراطي الموحد لكردستان العراق) وقامت فوراً العلاقات بين ممثليه وممثلي الحزب الشيوعي العراقي واستمرت الاتصالات وتبادل المعونة بين الحزبين حتى بعد أن طرحوا فكرة حل فرع الحزب الشيوعي في كردستان وأججوا الخلافات حولها بحجة ودعوى أن الأكراد يجب أن يناضلوا من أجل كردستان ومن ثم إقامة نظام شيوعي مما أرغم الحزب الشيوعي من أجل التصدي لهذه الهجمة الشوفينية أن يخوض صراع كبير لتفنيد هذه الفكرة الخاطئة دفاعاً عن كيان الحزب الشيوعي ومبادئه ووحدة الطبقة العاملة على نطاق القطر العراقي ... أما ممثلو حزب الاستقلال القومي فقد كانوا أبعد من غيرهم عن التعاون مع الحزب الشيوعي العراقي حتى أواخر عام / 1956 ورغم مبادرة الحزب الشيوعي إلى الاتصال بهم قبل ذلك التاريخ فقد تلكأوا في قبولها متذرعين بحجة واهية جداً وهي انفراد الشيوعيين في التظاهر تضامناً مع الثورة الجزائرية وخلاصة هذه القضية هي : دعوة صدرت عن مجلس التضامن الأسيوي – الأفريقي في القاهرة في صيف عام/ 1956 للأحزاب والتظاهر في كل البلدان الآسيوية – الأفريقية في اليوم المعين وفي العراق اتفق ممثلو جميع الأحزاب على الدعوة للإضراب العام فنحج الإضراب نجاحاً كبيراً إلا أن الأحزاب رفضوا فكرة الحزب الشيوعي العراقي في تنظيم مظاهرة بالمناسبة فانفرد الحزب الشيوعي العراقي بمظاهرة في ساحة زبيدة في بغداد قمعتها الشرطة بالرصاص والهراوات واعتقلت عدد كبير منهم ومن المتظاهرات اللواتي كن في طليعة المظاهرة يحملن أعلام العراق والجزائر ... وفي صيف عام/ 1956 قامت أيضاً إشكالية أخرى من التعاون في المجال الوطني حيث كان ممثلو حزبي الاستقلال والوطني الديمقراطي والعناصر اللاحزبية ينتقدون الاتفاقات المسبقة مع الحزب الشيوعي ... وفي 16/ حزيران 1956 قدم قادة الحزبين الوطني الديمقراطي وحزب الاستقلال طلب تأسيس حزب واحد باسم (حزب المؤتمر الوطني) ولكن الحكومة رفضت الطلب واستنكر الحزب الشيوعي موقف الحكومة هذا وكتبت جريدة اتحاد الشعب في 22/ تموز/ 1956 نقول : (جاء رد الحكومة على مؤسسي (حزب المؤتمر الوطني) استفزازاً مشحوناً بالدس والمغالطات ومفعماً بالسخرية بمفاهيم (الوطنية) و (الاستقلال) والتعاون بين المواطنين واحترام الحقوق والحريات. ولقد أثار هذا الرد من الحكومة العميلة موجة استياء واستهجان من جميع الأوساط الوطنية واستنكره كل غيور على مصلحة الوطن وحقوق المواطنين ... إن رد الحكومة على طلب تأسيس حزب المؤتمر الوطني بمثابة دليل آخر على عدوانية السياسة التي تنتهجها الحكومة العميلة استناداً إلى حلف بغداد العدواني وعمق إلى درجة أكبر سخط الشعب واحتجاجه على هذه السياسة ... كما ستظل القوى الوطنية الديمقراطية رغم تباين أساليب تفكيرها وعملها تواصل القوى الوطنية والديمقراطية نضالها من أجل تقويم الحياة السياسية في البلاد وفرض حق التنظيم السياسي لكل الأحزاب ... الذي هو حق طبيعي من حقوق الشعب) ... وفي هذه الفترة أممت مصر شركة قناة السويس فالتهبت مشاعر العراقيين الوطنية والقومية وعبروا عنها بتأييد منقطع النظير لمواقف مصر الجريئة والشجاعة وسخط عنيف على الأوضاع السائدة ... وجاء العدوان الثلاثي (البريطاني والفرنسي والإسرائيلي) والموقف الخياني الجبان للحكومة العراقية تجاه العدوان ليفجر لهيب المشاعر الوطنية ... فكانت انتفاضة عام 1956 التي جرفت كل العوائق والمطبات أمام تحالف القوى الوطنية العراقية وتقود متكاتفة ملايين الجماهير المتطلعة إلى الحرية والاستقلال إلى السير في موكب الشعوب العربية المتحررة وشعوب العالم السائرة نحو التقدم والسلام والاشتراكية وارتفع صوت الغضب الجماهيري العراقي هاتفاً ... وإذا تكاتفت الأكف فأي كف تقطعون ... وإذا تعانقت القلوب فأين أنتم تذهبون ... جاء تأميم قناة السويس فألهب عدوانية السياسية الاستعمارية ودفعها إلى هجومها المسلح على مصر وفي هذا الظرف انتفض الشعب العراقي انتفاضته المجيدة ... في يوم 29/ تشرين أول/ 1956 بدأ العدوان على مصر فغمر الشعب العراقي شعور طافح من الاستياء والتحفز لتأييد حق مصر ولشجب موقف الحكومة العراقية المماليء للقوات المعتدية وعلى رأسها الاستعمار البريطاني ... فاجتمع ممثلو الأحزاب الأربعة (الحزب الشيوعي العراقي والحزب الوطني الديمقراطي وحزب البعث العربي الاشتراكي وحزب الاستقلال) وبعض الديمقراطيين المستقلين في اليوم الأول للعدوان وتدارسوا الموقف واتخذوا قرارات موحدة مهمة كان على رأسها إدامة هذه الاجتماعات المشتركة من جهة وتأليف (قيادة ميدان) مشتركة للمظاهرات الجماهيرية من جهة ثانية وفي مساء اليوم ذاته حيث كان مقرراً عقد اجتماع (قيادة الميدان) ألقي القبض على أعضائها فاضطر ممثلو الأحزاب إلى القيام بهذه المهمة وعقدوا الاجتماع الأول والقيام بالمهمة رغم الصعاب الناجمة عن انكشافهم للعدو وقامت (200 مظاهرة) في ثلاثين مدينة عراقية واضرابات جماهيرية على نطاق القطر العراقي دامت أكثر من شهرين مما اضطر حكومة نوري السعيد إلى إعلان الأحكام العرفية وغلق المدارس والكليات مرتين متواليتين وكان الشيوعيون في طليعة تلك المظاهرات وحركة الاضرابات والاعتصامات وقادوا معظم هذه الحركات الجماهيرية بالتعاون مع الأحزاب الأخرى وسقط في ميدان الشرف أول شهيد وهو الشيوعي (عواد رضا الصفار) كما ضاعف الحزب الشيوعي طاقة عمله في النشر والدعاية والتحريض وكانت قيادة الشهيد البطل سلام عادل قد أججت شعلة النضال الجماهيري فأصدر الحزب عشرات الألوف من المنشورات التحريضية وأعداد من الجريدة ونشرات الأخبار وكان أبرز مثل على استعداد الجماهير لتطوير أساليب كفاحها في تلك الانتفاضة هو (العصيان المسلح في قضاء الحي) حيث كانت ملحمة بطولية خاضتها جماهير الحي الباسلة نموذج لبطولات شعب صمم على الانتصار وكانت عاملاً على تصليب الجماهير ورفع وعيها وحماسها ورص صفوفها بعزيمة أكبر وهكذا أصبحت الحركة الوطنية في الحي الباسلة قلعة حصينة من قلاع الكفاح الوطني ضد الاستعمار والإقطاع وحلف بغداد وطغمة نوري السعيد.
لقد شخص الحزب الشيوعي العراقي بقيادة المناضل الشهيد البطل سلام عادل أن تلاحم قوى الشعب الوطني ووضع برنامج موحد لها هو السبيل الأمثل لتحقيق أهداف الشعب وبقي يعطي أهمية كبرى لتوحيد اللقاءات والاتفاقات بين الأطراف والقوى الوطنية التي فرضتها ظروف انتفاضة عام/ 1956 حتى تكللت هذه الجهود التي يناضل من أجلها الحزب الشيوعي بإعادة تشكيل اللجنة الوطنية العليا واتفاقها على إصدار بيان هام للشعب العراقي شرحت فيه المطالب الوطنية الكبرى التي أجمعت عليها الحركة الوطنية العراقية وهي :
1) تنحية وزارة نوري السعيد وحل المجلس النيابي.
2) الخروج من حلف بغداد وتوحيد سياسة العراق مع سياسة البلاد العربية المتحررة.
3) مقاومة التدخل الاستعماري بشتى أشكاله ومصادره وانتهاج سياسة عربية مستقلة أساسها الحياد الإيجابي.
4) إطلاق الحريات الديمقراطية الدستورية.
5) إلغاء الإدارة العرفية وإطلاق سراح السجناء والمعتقلين والموقوفين السياسيين وإعادة المدرسين والموظفين والمستخدمين والطلاب المفصولين لأسباب سياسية.
وقد ندد البيان كذلك بمبدأ آيزنهاور باعتباره شكلاً جديداً من أشكال السيطرة الاستعمارية.
وختم البيان بالنداء التالي للشعب العراقي :-
إننا ندعوا مواطنينا الكرام في كافة أرجاء الوطن إلى الاستجابة لبيان اللجنة العليا والتضامن والنضال من أجل تحقيق الأهداف الوطنية الواردة فيه.
في 4/ شباط/ 1958 أعلنت الوحدة بين مصر وسوريا وجاءت ذات طابع ارتجالي الذي قامت عليه بعد أن أصاب الخوف والقلق البورجوازية السورية من مؤامرات حلف بغداد في إسقاط نظامه الديمقراطي وابتلاع سوريا التي كانت قمر لامع في الشرق الأوسط في الحريات الديمقراطية والتحرر حيث جاءت خطوات الوحدة المتسرعة مع مصر لم تكن على أساس الأساليب الديمقراطية في بناء الوحدة مع مصر وبالرغم من ذلك فقد هللت لها جميع القوى التقدمية باعتبارها خطوة نحو تحطيم السدود التي وضعها الاستعمار في طريق وحدة الشعوب العربية وقد قابلت السلطات العميلة في العراق فقابلت إعلان الوحدة بين مصر وسوريا بوجوم وغضب شديد ... وسارع العراق والأردن إلى عقد الاجتماعات بين الملوك وكبار العملاء وقرر المجتمعون إلى إعلان الاتحاد العربي بين العراق والأردن في 14/ شباط/ 1958 لقد ظهرت المواهب الرائعة للشخصية الفذة للشهيد البطل سلام عادل ومزاياه التنظيمية والقيادية حينما استلم في عام/ 1953 تنظيمات منطقة البصرة وكانت هذه المزايا امتداد لمواهب الرفيق الخالد فهد حينما كان سكرتير الحزب الشيوعي العراقي أثناء نشأته وتطوره كان يعتبر العمل الجماهيري والنشاط الحزبي في الحراك الجماهيري مدرسة لتدريب الرفاق الشجاعة والجرأة والإقدام مقرونة بالنشاط الحزبي الذي ينبثق من خلاله تعلم القيادة والتكتيك النضالي وكان الرفيق الخالد فهد يزج بالرفاق في النشاط والعمل الحزبي في التظاهرات والإضرابات كي يتعلموا من خلالها الإرادة والقيادة وأسلوب التكتيك في الفرص المناسبة التي يكتسبها من خلال نشاطه وعمله مع جماهير الشعب المناضلة وأسلوب القيادة الحازمة والواعية.
هذه المزايا النضالية ظهرت حينما تسلم الرفيق المناضل الشهيد البطل سلام عادل قيادة التنظيم الحزبي لمنطقة البصرة ففي تشرين أول/ 1953 أضرب (300 عامل) في مصلحة نقل الركاب لمدة
(3 أيام) واقترن في مظاهرات فلبيت مطاليبهم وفي يوم 17/ تشرين الثاني أضرب عمال اللاسلكي في الميناء وكان عددهم (150 عامل) لمدة تسعة أيام فلبيت أكثر مطاليبهم ولكن الموجة الإضرابية بلغت ذروتها في كانون الأول / 1953 عندما أضرب عمال نفط البصرة في (5 كانون الأول) عام/ 1953 ونظم الحزب الشيوعي فرع البصرة بقيادة الفذ المناضل الشهيد البطل (سلام عادل) عدداً من الإضرابات التأييدية بين مختلف فئات عمال البصرة ... وقد انتقلت الإضرابات إلى بغداد حيث أضرب عمال السكاير في بغداد تأييداً لعمال النفط في البصرة ... وقد اكتسب إضراب عمال النفط في سبيل مطاليب اقتصادية أهمية سياسية بالغة عندما أعلنت الحكومة العميلة الأحكام العرفية في لواء البصرة لقمع الحركة العمالية دفاعاً عن شركات النفط الاحتكارية الاستعمارية فكان هذا الحادث الأول من نوعه بالنسبة لأسلوب الحكومة في قمع الإضرابات الاقتصادية في العراق وقد أحال مجلس الوزراء كلا من جريدة (صوت الأهالي) لسان حال الحزب الوطني الديمقراطي وجريدة (لواء الاستقلال) لسان حال حزب الاستقلال إلى المحاكم الجزائية على أساس أن هذه الصحف نشرت أنباء مبالغاً فيها عن حوادث البصرة واستنكرت إعلان الأحكام العرفية فيها ونشرت احتجاجات الأحزاب السياسية المقدمة إلى مجلس الوزراء معتبرة هذه التدابير التي قامت بها الحكومة إجراءات تعسفية لا يصح السكوت عنها.
وقد كان الإضراب إجماعياً اشترك فيه جميع عمال النفط في البصرة والتجأ العمال إلى التظاهر لدعم إضرابهم والتعجيل بتلبية مطالبهم. اصطدم العمال المتظاهرون بالشرطة في اليوم الثامن للإضراب (12/12/1953) وفي اليوم الحادي عشر (15/12/1953) أطلقت الشرطة النار على العمال المتظاهرين فجرح عدد منهم كما أطلق أحد موظفي الشركة الانكليز النار على عامل وجرحه فنظم الحزب الشيوعي إضراباً عاماً في البصرة احتجاجاً على الأساليب الدموية التي استعملتها الحكومة ضد العمال وإسنادها للشركة الاحتكارية الاستعمارية وقد تعاون وزير الداخلية سعيد قزاز الذي جاء بالطائرة إلى البصرة تعاوناً وثيقاً مع مدير الشركة الانكليزي لقمع الحركة العمالية وإحباط الأحزاب مهما كلف من ثمن أي من باونات الانكليزية ومن الرصاص ودماء بالنسبة لوزير الداخلية وأجرت الشرطة العراقية الاعتقالات بالجملة بين العمال المضربين ومؤازريهم من عمال وطلاب وكادحين ونقلتهم مباشرة إلى سجن نقرة السلمان الصحراوي وقامت الشركة بفصل العمال بالجملة وتحت ضغط هذه الإجراءات وبطش الأحكام العرفية انتهى الإضراب بعد (13 يوماً) دون تحقيق مطالب العمال المضربين وبالرغم من كل الأساليب الوحشية كان إضراب عمال البصرة في الحقيقة محوراً لوثبة العمال ووثبة البصرة المناضلة ضد الاحتكار الأجنبي لنفطنا ... وقد ساهم هذا الإضراب في ترسيخ الأماني في تحرير الثروة النفطية في قلوب جماهير شعبنا المجاهد الوثاب ... وقد حرك الإضراب جميع القوى الوطنية ودفعها إلى النضال لتأييد طليعة الشعب المناضلة الطبقة العاملة الفنية ... وفي أيام إضراب عمال النفط أضرب عمال مصلحة نقل الركاب في البصرة وعددهم (300 عامل) لمدة (4 أيام) وأعلنوا تأييدهم لعمال نفط البصرة المضربين كما قدموا مطاليبهم الخاصة وفازوا بها وأضرب كذلك أكثر من (200 عامل) من شركة تاجران الهندسية في البصرة تأييداً لإضراب عمال البصرة وفازوا بمطاليبهم الخاصة أيضاً وأضرب كذلك عمال الكوكا كولا ليومين تأييداً لعمال النفط في البصرة وعمال شركة التجارة والمقاولات (البروزون) في البصرة وأيضاً عمال شركة هولواي لأربعة أيام تأييداً ومناصرة لعمال النفط في البصرة ... وقد كان إضراب عمال السكاير في (6 كانون الأول/ 1953) إلى 16 منه الإضراب الثاني من حيث الأهمية بعد إضراب عمال النفط في البصرة وفي (6 كانون أول/ 1953) أضرب عمال شركة دخان جعفر واعتصموا في معملهم بالمطالبة بزيادة الأجور وإيقاف الاعتداءات من جانب عصابة (لالو) المفضوحة التي يستخدمها أصحاب الأعمال لكسر الإضراب الذي يقوم به العمال بالمطالبة بحقوقهم وفي اليوم التالي أضرب عمال شركة دخان عبد العزيز لنفس السبب واعتصموا في معملهم أيضاً. وفي نفس اليوم أضرب جميع عمال السكاير إضراباً رمزياً تأييداً لإخوانهم المضربين فطوقت الشرطة المعامل المضربة وقطعت عن العمال المضربين الماء والطعام ولكن الحزب الشيوعي في البصرة بقيادة المناضل الشهيد البطل سلام عادل الذي أجج شعلة النضال في عمال البصرة نظم حملة جماهيرية واسعة لمؤازرة العمال المضربين ومدهم بما يحتاجونه من ماء وطعام رغم الحصار ورغم التضحيات فقد اعتقلت الشرطة مجموعة من المناضلين الذين حاولوا اقتحام الحصار وإيصال الماء والغذاء وتبادل المعلومات مع العمال المضربين ... لقد أدخل عمال السكاير في إضراباتهم هذه شكلاً جديداً من أساليب الكفاح في العراق (الاعتصام في المعامل) وفي يوم 16/ كانون الأول (الحادي عشر يوماً من الإضراب) هاجمت الشرطة المعامل بالسلاح وأخرجت العمال معتصمين بعد أن جرحت عدد منهم واعتقلت عشرات العمال وأغلقت المعامل كما احتلت مقر نقابة عمال السكاير وكان هذا الإضراب لعمال السكاير ذروة إضراباتهم في عام/ 1953 ونشب إضراب بين عاملات وعمال شركة الدخان الأهلية وعددهم (600 عامل وعاملة) في شهر شباط ودام يومين واعتصم العمال خلالهما في معملهم وبالرغم من الأحكام العرفية المعلنة في البصرة انتزعوا به الاعتراف بلجنتهم النقابية بالرغم من غلق نقابتهم من قبل المجلس العرفي وأضربوا ثانية في يوم 16 آب/ 1953 مطالبين فتح نقابتهم وعدم فصل اللجنة النقابية ووقف تدخلات الشرطة وزيادة أجورهم وانتهى الإضراب بعد منتصف الليل بعد تعهد وزير الشؤون الاجتماعية بالاستجابة لمطاليبهم وبعد أن نكث الوزير بوعده عاد العمال إلى الإضراب بعد يومين واعتصموا في معاملهم وطوقتهم الشرطة وقطعت عنهم الماء والكهرباء والطعام وبذلت جماهير البصرة المناضلة لمساعدة العمال المضربين والمحاصرين داخل معملهم وبعد يومين فازوا بمطاليبهم بينها مطلب حيوي ومهم ومشترك هو وضع حد أدنى لأجور عمال السكاير جميعاً وقد أضرب عمال شركة دخان الرافدين تأييداً لهذا الإضراب وفي 14 أيلول/ 1953 أضرب عمال السكاير إضراباً عاماً واعتصموا في معملهم ودام الإضراب خمسة أيام وطوقتهم الشرطة وقطعت عنهم الماء والطعام وكان الإضراب احتجاجاً على سلب مكاسب عمال السكاير وفصل (14 عاملاً) بسبب نشاطهم النقابي ... وقد فاز العمال بمطالبهم ما عدا فتح النقابة وبعد (10 أيام) أضرب عمال شركة دخان جعفر يوماً واحداً احتجاجاً على تأخير تنفيذ مطالبهم ثم عادوا إلى الإضراب بعد (4 أيام) احتجاجاً على اعتداءات عصابة الشقاة على النقابيين وهكذا كان إضراب شهر كانون أول ذروة تلك الإضرابات ... لقد تطور وعي العمال النقابيين في جميع أساليب النضال وفق الأسلوب السياسي والنضالي المتجسد في القيادة الواعية والحكيمة للرفيق الخالد بطل الصمود والتحدي (سلام عادل) إلى هذا العنفوان من نضال وصمود وإصرار العمال في نشاطهم الصدامي والجريء الذي جعل من زج العمال في خضم النضال الجريء مدرسة في كسب ومعرفة المظلومين كيف ينتزعوا حقوقهم المغتصبة من الظالمين بحيث لجأت إلى هذا الأسلوب وإلى هذا الحد بحيث لم يبق أمام الحكومة العميلة وأصحاب العمل سوى احتلال المعامل ومقرات النقابات بقوة السلاح وإلى هذا المصير تدهورت الحريات السياسية والاجتماعية في العراق ولم يمض على احتلال الشرطة لنقابة السكاير عشرة أشهر حتى ختمت الشرطة أبواب الحزب الوطني الديمقراطي بالشمع الأحمر وهذا يدل على أن الحرية لا تتجزأ ولا يمكن أن يتمتع الشعب بالحرية والكادحين والمظلومين والمضطهدين محرومون من أبسط الحريات في وطنهم.
مبادرة من المناضل الشهيد البطل (سلام عادل) تشكلت اللجنة الوطنية لاتحاد الضباط والجنود فكانت البداية الأساسية لحركة الضباط الأحرار التي فجرت ثورة 14/ تموز/ 1958 وأصدرت جريدة (حرية الوطن) وصدر العدد الأول منها في كانون الثاني/ 1955 بالنداء التالي : أيها الإخوان الجنود والضباط ... إننا نخبة من الجنود والضباط وجدنا لزاماً علينا أن نساهم بكل ما في طاقتنا من أجل تبديل الأوضاع القائمة في مرتبات جيشنا المختلفة ... لقد قيل لنا أننا نعمل في جيش وطني يعمل لحماية الوطن ... ولكن الواقع أن الجيش العراقي تسيره زمرة من الأمريكان والانكليز وبعض النفعين الذين لا يهمهم مصير الوطن وحالة الجندي بقدر ما تهمهم الرتب والنياشين ... فمنذ تأليف الجيش العراقي لم يشهد جنودنا وضباطنا تربية ديمقراطية فبدلاً من أن يكون الضابط والجندي موضع احترام الشعب أصبح الجيش برمته مكروهاً عند الشعب لأن جماهير شعبنا رأت أكثر من مرة حرية الجندي العراقي مصوبة إليها لغرض الأتاوات الإقطاعية أو قمع المظاهرات التي تناضل من أجل حرية الوطن وسعادة الشعب.
إن الجندي العراقي لا يعنى به أبداً ويعامل كالقن ويساق إلى القتال دون أن يكون له رأي ويسخر كالخادم في بيوت الضباط ... أن الخبراء والجواسيس الأجانب يعملون على تحطيم معنوية الجندي العراقي وإظهاره بمظهر الجبن ... فيلقون المحاضرات لدفع الجندي لكي تكون له نظرة استعلاء تجاه شعبه وليست هناك ضمانات اجتماعية للجنود والكثيرون منهم يتعرضون للمحاكم الفاشستية ويستنزف راتب الجندي جراء الاستقطاعات ... ويشجع على التفسخ الخلقي بقصد تحطيم شخصيته وإبائه وتحت شعار تسليح الجيش العراقي بالأسلحة الأمريكية تسعي الزمرة الاستعمارية إلى تحويل الجيش إلى فرق تابعة للجيش الأمريكي وحمله على مقاتلة الشعوب الأخرى ... ضد أبناء شعبنا فليس من الغيرة ولا من الوطنية أن نقبل هذه السياسة الغير وطنية ولا إنسانية يجب أن يكون لنا وحدة هدف ووحدة تنظيم وفيما يخص التنظيم يجب أن يكون لنا تنظيم دقيق ومتين ... يجب أن نحذر من الجواسيس والخونة ... وفيما يخص الأهداف فإن من واجبنا المباشر هو العمل من أجل بث الوعي الوطني وتقوية روح حب الوطن وكره الاستعمار وحب الشعب وكره أعدائه ... يجب أن نناضل ضد استخدام الإهانات وتعمل على تحريم جميع أشكال المعاملات اللاإنسانية وسبيل تحسين حالة الجندي المعاشية والثقافية ويجب أن نعمل لتوفير المدارس ورفع المستوى التكنيكي (الفني) ودراسة جميع فنون المعارك التي خاضها شعبنا ضد الاستعمار وخصوصاً معارك ثورة العشرين وفي سبيل أن تكون هناك علاقات احترام ومحبة بين الجندي والضابط ويجب إلغاء الحقوق الغير المحدودة للضابط وأن يكون الضابط ملزماً باحترام الجندي. ونقلت جريدة (حرية الوطن) في عددها الثاني مقالاً بعنوان (الإنسان العراقي ببزة الجندية) بقلم يوسف سلمان يوسف (فهد) وكان هذا المقال قد كتب في العقد الرابع من القرن الماضي حينما بادر الرفيق فهد بتشكيل التنظيم العسكري وقد ألغي هذا التنظيم بعد استشهاد الرفيق فهد عندما اكتشف هذا التنظيم من قبل الحكومة العميلة وقد أعيد العمل من أجل تنظيم في القوات المسلحة حينما تولى الرفيق الشهيد البطل سلام عادل قيادة الحزب الشيوعي العراقي وفي عهده صدرت (جريدة حرية الوطن) ونشر المقال فيها وجاء فيه ما يلي : إن الجندي العراقي في جيشنا (الوطني) القائد لحكومتنا الدستورية الديمقراطية ...!! يرزح تحت نير العبودية والإرهاق ويعاني أكثر مما عاناه أبوه وأعمامه وإخوانه في الجيش العثماني ... إن المواطن العراقي عندما يخلع عنه اللباس المدني ليلبسوه الخاكي يخلعون عنه حقوقه المدنية وحقوقه كإنسان حر ... وبعد أن أورد المقال عدة أمثلة على احتقار الجندي من قبل الخبراء الانكليز والاستهانة بحياته ومسخ آدميته وإلى أساليب المستعمرين في شراء كبار الضباط وإفسادهم يقول : إن للاستعمار خطة في تفسيخ وفي تفسيخ الضباط والجنود من أجل أن يستطيع توجيه هذا الجيش لحماية مصالحه في حراسة أنابيب النفط ومصافي النفط ولحراسة شركائه وبنوكه وتوجيهه ضد سكان الشمال وضد سكان الجنوب ومن أجل توجيه الجنود العرب ضد الشعب الكردي وتوجيه الجنود الأكراد ضد العشائر العربية وتوجيهه إلى أبعد من ذلك لدفع الجنود العرب لضرب عشائرهم ودفع الجنود الأكراد لضرب الأكراد وفي المستقبل لضرب عمال العراق عندما تعجز الشرطة من كبح جماح حركة العمال.
كما وجهت اللجنة في نفس (العدد) نداء إلى كافة الشرفاء في الجيش العراقي إلى الوقوف صفاً واحداً مع الشعب العراقي ضد الاستعمار والخونة جاء فيه : إن الاستعمار من الانكليز والأمريكان أصبحوا هم أسياد بلادنا وهم الذين يسوقون الجيش بالقرباج لحمله على الوقوف ضد شعبنا وضد أبناء بغداد المتنورين وضد وطنية جماهير الموصل وضد نبل البصريين وضد كرم وحياة فلاحينا في العمارة والناصرية والسليمانية ... كفانا أيها الإخوان بناء الثكنات لحراسة المطارات الأجنبية وشركات النفط التي تستنزف خيرات الوطن ... وكفانا مذلة ومهانة على يد الضباط الكبار الخونة ... كفانا اضطهاداً وظلماً ... إننا الجنود بشر كسائر الناس العراقيون من أبناء هذا الوطن ولنا حقوق ولنا رأي أننا لسنا أقناناً ونرفض الخضوع للاستعمار ونرفض القتال لغير صالح الشعب والوطن ضد الاحتلال وفي سبيل السلم والسعادة ... إن اللجنة الوطنية للجنود والضباط تدعوكم إلى النزول مع الشعب موحد بجنوده وعماله ... أيها الشجعان لا تسمحوا لأمرائكم أن يحجزوكم في الثكنات ... إن الأمهات يصرخن بوجه الظلم والطغيان ... فيجب أن لا تقفوا موقف المتفرج بل عليكم أن تنهضوا لتطاردوا فلول الجيش الاستعماري الذي يسعى إلى ثرم لحمكم في الحرب ... وكانت جريدة (حرية الوطن) تنشر أخبار الوحدات وتفضح الانتهاكات وتحدد الأهداف الآنية للمنظمة ... كما كانت تنشر عن أوضاع الجنود في البلدان الديمقراطية وخاصة في الاتحاد السوفيتي وما يتنعمون به من حقوق وحب واحترام شعوبهم لقد شخص الحزب الشيوعي العراقي بعد تولي الشهيد البطل قيادة الحزب الشيوعي العراقي أن تلاحم قوى الشعب الوطني وضع برنامج موحد لها هو السبيل الأمثل لتحقيق أهداف شعبنا وبقي يعمل بنشاط من أجل توطيد اللقاءات والاتفاقات بين الأطراف والقوى الوطنية التي فرضتها انتفاضة عام/ 1956 حتى تكللت هذه الجهود بإعادة تشكيل اللجنة الوطنية العليا واتفاقها على إصدار بيان هام إلى الشعب العراقي نشرت جريدة اتحاد الشعب في الصفحة الأولى من عددها الصادر في أواسط عام/ 1957 تحت عنوان خطوة هامة في طريق تطور حركتنا الوطنية وقالت فيه : خلال الأيام القليلة الماضية نشرت اللجنة الوطنية العليا بياناً هاماً وجهته إلى الشعب العراقي شرحت فيه المطاليب الوطنية الكبرى التالية التي أجمعت عليها الحركة الوطنية في العراق :
1) تنحية وزارة نوري السعيد وحل المجلي النيابي.
2) الخروج من حلف بغداد وتوحيد سياسة العراق مع سياسة البلاد العربية المتحررة.
3) مقاومة التدخل الاستعماري بشتى أشكاله ومصادره وانتهاج سياسة عربية مستقلة أساسها الحياد الإيجابي.
4) إطلاق الحريات الديمقراطية الدستورية.
5) إلغاء الإدارة العرفية وإطلاق سراح السجناء والمعتقلين والموقوفين السياسيين وإعادة المدرسين والموظفين والمستخدمين والطلاب المفصولين لأسباب سياسية.
وقد نرد البيان كذلك بمبدأ آيزنهاور باعتباره شكلاً جديداً من أشكال السيطرة الاستعمارية وقد نشرت جريدة اتحاد الشعب البيان التالي: إننا ندعوا مواطنينا الكرام في كافة أرجاء الوطن إلى الاستجابة لبيان اللجنة العليا والتضامن من أجل تحقيق الأهداف الوطنية الوارد فيه.
كانت البنود للجبهة الوطنية العليا التي تألفت في نيسان/ 1957 والتي وافقت عليها جميع الأطراف الوطنية العراقية التي ذكرناها أعلاه هي المطاليب والأهداف للمرحلة قبل انقلاب 14/ تموز/ 1958 وهذا يعني أن الجبهة الوطنية العليا انتهت مرحلتها بقيام الانقلاب وأصبح تغيير في طبيعة وأسس الحكم ما قبل الانقلاب وما بعده. الآن بدأت مرحلة جديدة جذرية غيرت مفاهيم الحكم من شبه إقطاعي وشبه استعماري إلى حكم وطني ديمقراطي كما دمر حلف بغداد لأنه كان الحلقة الرئيسية فيه وكان في السابق سياسته متطابقة مع أفكار بريطانيا وأمريكا وأصبح الآن سياسته وأفكاره منطلقة من أفكار (باندونغ) الحياد الإيجابي والعداء للأحلاف العسكرية والاستعمار العالمي كما أنه خرج من منطقة الاسترليني الذي كان الاقتصاد العراقي يدور في دوامة الاقتصاد البريطاني وسن القوانين الثورية في الإصلاح الزراعي كما حدد تصرفات شركات النفط الاستعمارية لأنه حدد نشاطها بقانون رقم (80) كما سن قانون المساواة بين الرجل والمرأة في الإرث والأهم من كل ذلك أصبح شعلة وهاجة في الديمقراطية والسلام بعد أن انطلقت الحرية بعنفوان في الكلام والكتابة وحرية الأحزاب والأمن والاستقرار إضافة إلى الحياة المادية والمعنوية فساد الخوف والرعب وتزعزعت كراسي الملوك والرؤساء من الحرية والديمقراطية في العراق ... إلا أن الخطأ الأكبر التي حدثت للقوى الوطنية العراقية عدم وضع اتفاق بينها في مرحلة بعد الانقلاب بالرغم من العلاقات بين القوى الوطنية أصبحت علاقات صداقة وتعارف وربما انشغلت أفكار القوى الوطنية بهذا الحدث العظيم في العراق الذي انطلق فيه الشعب العراقي من قمقم الاستبداد وانطلقت الأصوات الديمقراطية وكل ما ورثناه من آلام ومآسي ومن الزنزانات المحشوة الجدران بالأشلاء ... وترحل الحياة المسمرة في الأغلال والتي تلعنها رائحة الدماء وراء الأزمنة السوداء ... وكانت الطامة الكبرى وانتهى الحلم الجميل في ربيعنا حينما زار العراق بعد أيام من الانقلاب صوت أجوف يهمس من الكفن (ميشيل عفلق) وبدأت الفتنة الكبرى التي حفرت قبر الجمهورية الوليدة انطفأت فيها قناديل الصباح وتجثم صخرة الهموم على صدورنا من جديد حينما جاء عفلق ومعه الفتنة الكبرى (شعار الوحدة الفورية مع الجمهورية العربية المتحدة) حيث ضاعت وراء هذا الشعار أحلام الحياة فسادت التفرقة بين أبناء الشعب المتحد في القلوب حينما وقفنا بصدور عامرة نحتضن الثورة الوليدة (رفعنا شعار الاتحاد الفدرالي) وبذلنا الجهود والعرق في سبيل الحوار الشفاف والتفاهم من أجل الجمهورية الوليدة التي أصبحت شعلة وهاجة محلقة في سماء الشرق الأوسط وبذلنا جهود وجهود من أجل إقناع إخواننا البعثيين والقوميين لأن شعار الوحدة الفورية ليس هي الآن وسوف تفرق الشعب وليكن علاقتنا مع الجمهورية العربية المتحدة اتحاد فدرالي وشرحنا لإخواننا شعارهم ليس في محله الآن واصطف الزعيم عبد الكريم قاسم معنا لأن من مصلحته (الاتحاد الفدرالي) فحضناه في قلوبنا وبدأ الشق يتوسع وتحولت الأسلحة والمؤامرات هي لغة التفاهم وأصبحنا كما قال الشاعر :
أضحى التنائي بديلاً من تلاقينا ... وناب عن طيب لقيانا تجافينا
وكانت تلك الفتنة الكبرى التي حملها غراب البين (عفلق) فكانت البداية لنهاية الجمهورية وقد وصلنا إلى ما نحن عليها الآن ... وأدعو لهم بطول العمر حتى يشاهدوا العراق العظيم تمزق جسمه الطائفية والفساد الإداري طاوية أمامها خلف الركام زرقة السماء وانتهينا إلى السجن الذي ما انتهى وتجثم صخرة الهموم على صدور المعذبين وتنهض من أعين الجراح الدماء والدموع ... وضاعت وراء الجمهورية الوليدة أحلام الحياة.
والآن أكتب للتاريخ وللأجيال القادمة مقارنة بين موقف البعثيين وشعارهم (الوحدة الفورية) وبين الشيوعيين والديمقراطيين الذين رفعوا شعار (الاتحاد الفدرالي).
1) كانت البورجوازية وليدة مع ولادة الجمهورية ليس بمستوى البورجوازية المصرية والسورية ... من الناحية الاقتصادية فالبورجوازية المصرية نشأت في الثلاثينات من القرن الماضي فزرعت جمهورية مصر بالمصانع والمعامل والتقدم والتطور الزراعي في دلتا النيل وأصبحت مصر دولة بضاعتها تزاحم البضاعة العالمية وتكتفي ذاتياً حتى أنها ابتعلت البورجوازية السورية التي هي قديمة وزاحمت البضاعة السورية وأصبحت البضاعة المصرية مغرقة للأسواق السورية فحدث انقلاب عسكري قاده السياسي الدواليبي وحدث الانفصال بين سوريا ومصر بعد مدة زمنية قليلة ... فكيف يندمج العراق مع سوريا ومصر وبالتأكيد يصبح سوق العراق مثل الآن مغرق بالبضاعة المصرية والسورية.
2) إن العراق كان شبه إقطاعي وشبه استعماري والجهل والأمية والمرض تجثم على صدور أبناءه، التعليم ضعيف والثقافة ضعيفة والصحة ومستلزماتها ضعيفة والسياسة وأقطابها ورجالها معدودين بسبب ضعف الثقافة وتفشي الجهل والأمية بين أبناء الشعب العراقي بينما مصر مركز الثقافة بكتبها وصحافتها ومثقفيها وكذلك سياسيوها وسوريا كذلك حيث كانت قبل الوحدة الاندماجية مع مصر الشعلة الوهاجة في الشرق من حيث حرية الأحزاب والصحف وجميع مجالات الحياة السياسية والثقافية بينما في العراق المذبوح وشعبه المستباح شعبه جهل وأمية وفقر وأمراض لأن مجتمعه يطلق عليه في دولة زراعية ... إذن من هذه المقارنة التي تبين الفرق بين سوريا ومصر والعراق .
3) من حيث المقارنة بين مصر وسوريا والعراق ... تحضرني قاعدة في المقارنة الثقافية تقول : مصر تؤلف الكتب ولبنان تطبع والعراق يقرأ. وهذا يعني الإمكانية الثقافية بينهما توجد فيها فوارق تحتاج إلى جهد الدولة العراقية بعد انقلاب 14/ تموز/ 1958 لكي تقضي على الأمية المنتشرة بين الشعب وكذلك بث روح الوعي الفكري والمعرفي وحتى الصناعي والزراعي وفق الأساليب الحديثة لكي يرفع مستوى الشعب العراقي إلى المرحلة التي في سوريا ومصر.
4) وهنالك مقارنة أخرى من حيث الديمقراطية وانفتاحها في مصر نظام الحزب الواحد (الاتحاد الاشتراكي العربي) وهذه الظاهرة تأتي من حيث طبيعة الحكم وفي سوريا توجد ديمقراطية من حيث تعدد الأحزاب وحرية النشر وحرية التعبير منذ زمن بعيد أما في العراق جاء التحرر والديمقراطية حديثاً بحاجة إلى وقت وجهد طويلين حتى يصبح العراق بمستوى مصر وسوريا. ولذلك يلاحظ نتيجة التناقضات في طبيعة الحكم ونظرته إلى الحريات الديمقراطية تختلف بين سوريا ومصر وكذلك الاختلاف في المستوى الاقتصادي بينهما ولذلك حدث انقلاب في سوريا للانفصال عن مصر حيث كانت التجربة غير مدروسة ومفتعلة وغير ديمقراطية مما ترك صدمة كبيرة لدى الشعوب العربية التواقة إلى الوحدة العربية الديمقراطية المدروسة والعقلية وليس بالعاطفة.
ربما يتساءل البعض عن نشاط ونضال الشهيد البطل سلام عادل في جمهورية العراق وعلاقته بالزعيم الراحل عبد الكريم قاسم وموقف الاتحاد السوفيتي منه ومن الزعيم عبد الكريم قاسم :
1) الشهيد البطل سلام عادل : نشأ وترعرع في مدينة النجف مواليد/ 1922 في أحضان عائلة دينية متنورة ويعود نسبهم إلى الشريف الرضي وزاول مهنة التعليم واعتنق الفكر الماركسي – اللينيني منذ شبابه حينما كان طالباً في المدرسة الثانوية وأعجب واعتنق الفكر اللينيني من حيث الضبط الحديدي والالتزام بمبادئه حازماً صارماً في الالتزام بها وحينما أصبح قائداً في الحزب الشيوعي كان ينفذ بحزم وصرامة وديمقراطية مبادئ الحزب حسب خصوصية الشعب العراقي وتقاليده وعاداته النبيلة المتنورة وقد استعرضنا في الموضوع سيرته ونضاله في تعبئة جماهير الشعب وزجها في النضال في مدرسة الحراك الجماهيري حتى أصبح الحزب أثناء قيادته يطلق عليه (حزب أوسع الجماهير) وقد ضرب مثلاً بطولياً في صموده حتى فارق الحياة أسطورة للصمود والتحدي أثناء تعذيبه في أقبية الحرس اللاقومي في قصر النهاية.
2) الزعيم الراحل عبد الكريم قاسم : نشأ وترعرع في أحضان عائلة دون المتوسطة في بغداد وهو أيضاً من مواليد العشرينات من القرن الماضي وزاول التعليم في بداية حياته ثم انتمى إلى الجيش العراقي الباسل وقضى حياته فيه لمدة أكثر من أربعة عقود من الزمن وعاش أعزب بدون زواج واستشهد في 10/ شباط/ 1963 على يد الحرس اللاقومي في دار الإذاعة العراقية في الصالحية/ بغداد.
3) الاتحاد السوفيتي : نشأ في عام/ 1917 على يد القائد العظيم (لينين) الذي كان رئيساً له وهو الذي أسسه وقضى حياته (ثلاثة جلطات دماغية) من الإرهاق والتعب في نشاطه النضالي وهو المؤسس للحزب الشيوعي ويمتلك موهبة عظيمة في التنظيم والتخطيط وقاد ثورة عظيمة في أكتوبر وأسس الاتحاد السوفيتي وبعد وفاته عام/ 1924 تولى ستالين السلطة وكان دكتاتورياً حازماً وصارماً في الحكم وكان استبدادياً مطلقاً ضد معارضيه حيث أعدم (870 مفكر وعسكري وعالم) لأنهم كانوا يختلفون معه فكرياً وفي عهده الاستبدادي نمت ونشأت البيروقراطية تنخر في جسم الاتحاد السوفيتي حتى قضى عليه العميل الأمريكي (غورباتشوف) حينما أطلق عليه رصاصة الرحمة عام/ 1991 وقد فرض أثناء حكمه عن طريق (الكونفروم) هو مؤسسة تجمع فيها جميع الأحزاب الشيوعية في العالم وقد فرض ستالين عليها السلطة الأبوية والأمر عليها وأصبحت جميع الأحزاب الشيوعية تابعة ومنفذة الأوامر منه ومنفذة لسياسة الحزب الشيوعي السوفيتي وفرض طاعته عليها متجاوزاً الخصوصية الوطنية للأحزاب الشيوعية كما تجاوز القاعدة الشيوعية التي وضعها ماركس ولينين التي تقول (بالرغم من أن النظرية الماركسية – اللينينية عالمية إلا أنها ذات طابع خصوصي تولد من رحم المجتمع لذلك البلد وتطبق حسب طبيعة وتقاليد وعادات الشعب وخصوصيته في كل بلد في العالم) وبقيت هذه الظاهرة السيئة تطبق على الأحزاب الشيوعية (متجاوزة الخصوصية الوطنية) حتى تفكك الاتحاد السوفيتي وانهار النظام الاشتراكي من خلال النخبة التي تولت السلطة من بعد ستالين وهذه النخبة ترعرعت في أحضان الستالينية واستكملت ما بدأه ستالين في تطبيق الحكم الاستبدادي والبيروقراطي حتى نهايته.
كان العالم في القرن الماضي يتكون من كتلتين ... كتلة النظام الاشتراكي بقيادة الاتحاد السوفيتي وكتلة النظام الرأسمالي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية وهذا يعني أن أي رقعة جغرافية تخرج أو تنتزع من أي كتلة يعتبر انتصار إلى الكتلة الأخرى وبما أن العراق قد خرج من كتلة النظام الرأسمالي يعتبر انتصار للنظام الاشتراكي لأن خروج العراق من كتلة النظام الرأسمالي يعتبر ويعني أن رقعة هذا النظام قد ضعفت وتقلصت بسبب خروج العراق منها وهذا يعني أيضاً حرمان النظام الرأسمالي من سوق العراق الذي كان محتكراً لسلع وبضائع النظام الرأسمالي وكذلك يصبح محروم من المواد الأولية المخزونة داخل الأراضي العراقية ومن خلال تقلص الرقعة الجغرافية للنظام الرأسمالي وكذلك حرمانه من سوق تلك الدول وكذلك حرمانه من المواد الأولية ... إن هذه العملية تؤدي إلى تكدس البضاعة التي تنتجها المصانع في الدول الرأسمالية وهذا يعني إغلاق المصانع وتوقفها عن العمل كما تؤدي هذه العملية إلى حرمان الدول الرأسمالية التي كانت تنهبها من هذه الدول من المواد الأولية الرخيصة من الدول المنتجة لها وهذا يعني تسريح العمال ورميهم في مستنقع البطالة وفي نهاية الأمر ينفجرون في ثورة تؤدي إلى سقوط ذلك النظام الرأسمالي وبهذه الطريقة تنتصر وتتوسع رقعة النظام الاشتراكي والقضاء على النظام الرأسمالي ... من هذه الناحية كان الاتحاد السوفيتي يستهين بخصوصية الدول الأخرى ويفرض عليها السلطة الأبوية في تنفيذ سياسته وهذا يعني أيضاً ضغطه على الحزب الشيوعي العراقي واحتضانه الزعيم عبد الكريم قاسم واعتباره أنه يحمل شحنة وطنية معادية للاستعمار ... وصار يضغط على الحزب الشيوعي ويفرض عليه تقديم ولاء الطاعة وشهادة حسن السلوك إلى الزعيم عبد الكريم قاسم وكان الزعيم كلما يزوره وفد من الحزب الشيوعي يستهزئ بهم ويقول لهم أهلاً حزب أوسع الجماهير ..!!
وكانت الوفود تذهب إليه والراحل الشهيد سلام عادل لا يذهب معهم لأن الزعيم كان يستهزئ ويسخر منهم وكان الراحل الشهيد حينما كان يذهب مع الوفود مرة واحدة أو مرتين كان يجادل ويناقش الزعيم عبد الكريم حول الدستور المؤقت وتكوين مجلس نيابي وحرية الأحزاب وغيرها وكان الزعيم يغض الطرف عنه وينفر منه وكانت الكتلة الأربعة (عامر عبد الله وزكي خيري ومحمد أبو العيس وبهاء الدين نوري) هم الذين يرتاح لهم عبد الكريم لأنهم لا يتكلمون ولا يحركون ألسنتهم إلا بكلمة (نعم سيدي) من هذا انهارت جمهورية الرابع عشر من تموز بواسطة (8 دبابات وطائرتين) ووصلنا إلى ما نحن عليه الآن.
لدي سؤال إلى أعزائي المشاهدين موقعي على الحوار المتمدن مع الرجاء ... ماذا كان لو أن جمهورية 14/ تموز/ 1958 مستمرة إلى الآن ... كيف كان شعبها وكيف كانت حياة هذه الدولة والوطن ؟