سعود سالم
كاتب وفنان تشكيلي
(Saoud Salem)
الحوار المتمدن-العدد: 4946 - 2015 / 10 / 5 - 12:22
المحور:
الهجرة , العنصرية , حقوق اللاجئين ,و الجاليات المهاجرة
في المدينة السياحية التركية "بودروم" المليئة بالهوتيلات الضخمة وأحواض السباحة والسيارات الفارهة، عندما يشعر السواح بالملل فإنهم يأخذون قاربا سريعا ينقلهم إلى الجزيرة اليونانية المقابلة "كوس" في خمسة عشرة دقيقة في القوارب السريعة، أو في خمسة وأربعين دقيقة في الفيري البطيء، مقابل عشرين يورو للكبار وحوالي ثلاثة يورو للأطفال الأقل من ثلاث سنوات. فجزيرة كوس الجميلة تقع على مسافة 21 كيلومترا تقريبا من السواحل التركية. هذا بالنسبة للسواح، أما المواطن السيء الحظ، والذي لا يملك جوازا أوروبيا ولا يملك فيزا لليونان فليس أمامه سوى حلين إثنين لا ثالث لهما: الحل الأول هو الحل الذي اختاره "هشام معضماني"، الشاب السوري البالغ من العمر 24 عاما وصديقه "فراس أبوخليل" فيما يمكن تسميته برحلة الست ساعات الليلية، مجانا. أما الحل الثاني فهو الحل الذي اختاره عبدالله الكردي وعائلته، أي ركوب القارب المطاطي مقابل خمسة آلاف دولار.
بعد ثلاث سنوات من التنقل والنزوح من مكان إلى آخر بدأت فكرة اللجوء إلى أوربا تراود عبد الله الكردي. في البداية نزحت عائلتة من كوباني إلى دمشق، ثم انتقلت إلى إدلب، ثم حلب، لكن عدم استقرار الوضع هناك والحرب المستمرة اضطرتهم للعودة إلى كوباني. غير أن مجانين الله كانوا في إنتظارهم، حيث شنت داعش عدة هجومات شرسة على هذه المدينة المقاومة، مما دفع أفراد العائلة الصغيرة إلى الهروب بجلودهم إلى أي مكان. بعدما اشتدت الحرب اضطر عبدالله الكردي إذا إلى الذهاب إلى تركيا عله يجد فرصة جديدة له ولعائلته في العيش بأمان وسلام بعيدا عن الحرب. وادّخرت بعض المال واقترضت البعض الآخر من الأقارب لدفع تكاليف الرحلة. فقد وجد عبدالله عملا في البناء بأجرة يومية لا تتجاوز 50 ليرة تركية، وحاولت عائلته من جهتها أن تدبر له مبلغا من المال للذهاب إلى إحدى الدول الأوروبية لأنه كان ينوي بعد ذلك محاولة الوصول إلى كندا حيث تقيم أخته "تيما"، رغم أن الحكومة الكندية كانت قد رفضت طلب الهجرة الذي قدمته أخته منذ فترة. وكان أيضا قد أدخر مبلغا من عمله كحلاق في دمشق وأعمال أخرى قام بها خلال رحلة النزوح الطويلة. مكثت هذه العائلة الصغيرة في منتجع "بودروم" عدة أسابيع ليس كسواح بطبيعة الحال وإنما كلاجئين يبحثون عن مأوى آمن لأطفالهم، وعن وسيلة لعبور البحر للوصول إلى أوربا على الساحل المقابل على بعد عدة كيلومترات. وحاول لعدة مرات أن يسافر إلى إحدى الجزر اليونانية، إلا أن جميع محاولاته كانت تبوء بالفشل حسب روايته. التقى عبدالله الكردي بمهربين احدهما تركي والآخر سوري، عرضا عليه نقله إلى اليونان مقابل أربعة آلاف يورو له ولزوجته، وتم الاتفاق على موعد السفر، واصطحب الكردي عائلته ليستقلوا قاربا صغيرا يبلغ طوله 5م وهو قارب مخصص للصيد البحري من نوع "فايبر"، وكان على الشاطيء مجموعة أخرى من اللاجئين ينتظرون الركوب والإبحار نحو الشاطئ المقابل. كان ذلك في ليلة الثلاثاء أول سبتمبر 2015. وانطلقت الرحلة في تمام الساعة الثالثة فجرا من على شواطيء بودروم. الظروف الجوية كانت سيئة والقارب كان محملا أكثر مما ينبغي، وعلى مدى ساعة من الزمن، ظل عبدالله كردي وزوجته و 10 لاجئين سوريين آخرين - بعضهم من كوباني - يحاولون ترويض الأمواج العاتية للحفاظ على حياتهم والوصول إلى جزيرة "كوس" والتي كانت أضوائها تتلألأ على مسافة عدة كيلومترات. بعد مضي فترة أخرى بدأت الرياح تشتد والأمواج تعلو بشكل كبير، فلاذ المهرب التركي فرارا وترك جميع المسافرين يصارعون الأمواج لوحدهم رغم أن معظمهم نساء وأطفال ورجال لا يعرفون السباحة. ومن شدة الأمواج انقلب القارب، فقام عبدالله الكردي بإمساك أولاده وزوجته وحاولوا التشبث بالقارب وهو مقلوب قرابة الساعة، وفي ذلك الوقت كان أطفاله ما يزالون على قيد الحياة إلا أنه بعد قليل توفي الطفل الأول "غالب" وعمره خمسة سنوات بسبب الأمواج العالية وبرودة المياه، فاضطر الأب لترك جثته لينقذ ابنه الثاني "ايلان" إلا أنه توفي هو الآخر واضطر لترك جثته عائمة أيضا حتى يتمكن من إنقاذ زوجته التي لا تعرف السباحة، إلا أنها فارقت الحياة هي الأخرى. حاول عبد الله التمسك بابنيه وزوجته، لكن قوة الموج انتزعتهم من ذراعيه، "الركاب بدأوا في القفز من القارب لما تسربت إليه المياه، "لقد كانت عندنا سترات نجاة، وكنت احتضن زوجتي بين ذراعي. لقد انتزع الموج طفلي من بين يدي. حاولنا بعدها التمسك بالقارب لكنه غرق بسرعة كبيرة. لقد كان الجميع يصرخون ولم استطع سماع نداءات ولدي وزوجتي".
هذه واحدة من الروايات العديدة والمتناقضة لهذه القصة المفجعة. فقد نشرت قناة عراقية رواية أخرى في صورة مقابلة مع والدة طفلين آخرين غرقا مع الطفل السوري ايلان، وقالت والدة الطفلين أنها كانت مع اولادها في المركب الغريق، وأكدت أن الذي يقوده هو "أبو غالب الكردي" والد الطفل ايلان، وأضافت أن "أبوغالب الكردي" قال في التحقيق وللصحافة كلاما كاذبا بخصوص القبطان التركي الذي هرب وترك المركب يغرق، وأكدت أن هذا الكلام غير صحيح، وأنهم كانوا في وسط البحر في ظلمة حالكة ولا مجال للهروب إلى أي مكان. وأكدت أن والد الطفل الذي هزت صورته العالم هو من كان يقود المركب. ومن المعلوم أن المهربين عادة ما يختارون شخصاً أو عدة أشخاص من اللاجئين و يدربونهم على كيفية القيادة بطريقة مبسطة وسريعة، فمن النادر أن يكون المهرب وسط القارب. وفي رواية أخرى نقلتها وكالة "دوغان" التركية عن عبد الله قوله إن العائلة دفعت المال للمهرّبين مرتين للتوجه إلى جزيرة كوس اليونانية دون نجاح، "في المحاولة الأولى قبض علينا حرس السواحل، وأفرج عنّا لاحقاً". وأضاف أنه في المرة التالية "لم يفِ المهرّبون بوعدهم ولم يحضروا لنا قاربا". ونتيجة لذلك، قرر عبد الله وعائلته القيام بالرحلة المنكوبة بشكل مستقل، فقام مع لاجئين سوريين آخرين من بلدة كوباني بـ"الحصول على قارب بطرقنا الخاصة، وحاولنا العبور إلى الجانب الآخر". وصرح مسؤول في خفر السواحل التركية في بيان أن قاربين غرقا بعد انطلاقهما من شبه جزيرة بودروم باتجاه جزيرة كوس صباح الأربعاء. وعثر على جثث 12 مهاجرا بينهم خمسة أطفال وامرأة، بينما تم إنقاذ 15 شخصا آخرين، في حين تمكن عدد آخر من النجاة بعد الوصول إلى الشاطئ وهم يرتدون سترات نجاة.
انتهت هذه الرحلة ـ مثل مئات الرحلات السابقة واللاحقة - بشكل مأساوي حين غرق القارب وومن فيه من اللاجئين الهاربين من الموت، وبعد ساعات كان الطفل الصغير "آلان" منكبا على بطنه ميتا على الشاطئ التركي. وبعد ثلاث ساعات من العذاب والرعب، وصل أخيرا خفر السواحل اليوناني لينقذ ما تبقى من الأشخاص الأحياء، وتم انتشال جثة الضحايا والتي كان من بينها جثة الطفل غالب والزوجة ريحانة، ولم يتم العثور على جثة " ايلان " الطفل الغريق الذي أبكى العالم، حيث وجدت جثته مستلقيا على بطنه على الشاطئ المقابل في "بودروم" حيث أرجعته الأمواج من حيث أتى. استلم عبدالله الكردي بعد عدة أيام جثامين عائلته ليتم نقلهم إلى مسقط رأسهم مدينة كوباني التي هربوا منها للحفاظ على حياتهم ورجعوا إليها جثثا في في ثلاثة صناديق خشبية.
#سعود_سالم (هاشتاغ)
Saoud_Salem#
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟