حكاية القلب: بين وَهْم الإدراك وحقيقة البيولوجيا


كمال غبريال
الحوار المتمدن - العدد: 8719 - 2026 / 5 / 28 - 00:06
المحور: قضايا ثقافية     

لطالما حظي "القلب" بمكانة فريدة في الأدبيات الإنسانية، والموروثات الشعبية، وحتى المنظومات الدينية، حيث صُوِّر كمركز للوعي، ومستودع للأسرار، وبوصلة نهائية لتمييز الحق من الباطل. ونسمع كثيراً عبارات مثل "عمل الروح القدس في القلب"، أو "سواد أو بياض القلب". ولكن، حين نضع هذه التصورات تحت مشرحة العلم الحديث والتحليل العقلاني، هل يصمد القلب كعضو مفكر ومقياس للصحة والخطأ؟ أم أن الأمر لا يتعدى كونه "أكذوبة مجازية" يهرب إليها الإنسان من صرامة العقل؟
الحقيقة البيولوجية: المضخة التي لا تفكر
من الناحية التشريحية والفيزيولوجية، حُسمت المسألة منذ زمن؛ القلب ليس أكثر من مضخة عضلية ميكانيكية فائقة الكفاءة، مهمتها الأساسية والوحيدة هي ضخ الدم المحمل بالأكسجين والمغذيات إلى خلايا الجسم، واستقبال الدم المحمل بثاني أكسيد الكربون لإرساله إلى الرئتين.
القلب لا يملك فصوصاً عصبية لمعالجة البيانات، ولا خلايا رمادية لتفكيك الأفكار، ولا قدرة له على فحص النظريات أو تبين مدى صحة المواقف. ولا هو مخزن لذكريات يصدر عنها حب أو كراهية. إنه عضو تنفيذ لآلية البقاء، يعمل بصورة مستمرة طالما كان الكائن على قيد الحياة.
"نبضات القلب" والمشاعر: من يحرك الآخر؟
إذا كان القلب مجرد مضخة، فمن أين يأتي ذلك الشعور بالحب والكراهية، أو بالراحة أو الانقباض والارتجاف عند مواجهة مواقف معينة؟
الحقيقة العلمية تقلب الآية تماماً؛ فالقلب لا يشعر، بل يستجيب. الدماغ والجهاز العصبي هما المركز الحقيقي لإدارة المشاعر والأفكار. عندما يواجه الإنسان موقفاً يثير الخوف، أو الحب، أو الانزعاج، يقوم المخ (تحديداً اللوزة الدماغية والجهاز العصبي اللامتناظر) بإرسال إشارات فورية تفرز بموجبها الغدد هرمونات وناقلات عصبية مثل:
الأدرينالين والنورأدرينالين: يرفعان نبضات القلب فجأة عند الخوف أو الحماس.
الأوكسيتوسين والدوبامين: يمنحان شعوراً بالراحة والاتصال العاطفي.
هذا التسارع أو التباطؤ في نبضات القلب هو عَرَض بيولوجي متأخر لإشارات المخ، وليس سبباً عاقلاً ينبئك بالصواب والخطأ. لقد أخطأ الإنسان القديم حين شعر بضربات صدره تتدفق مع العواطف، فظن أن الصدر هو منبع الفكرة، بينما هو في الواقع مجرد "صوت الصدى" لما يدور في الجمجمة.
الهروب من جفاف العقل إلى وداعة الوهم
فلماذا يصر البعض على اللجوء إلى هذا "المقابل المزعوم" المسمى بالقلب؟
إن فحص الأمور عقلانياً يتطلب جهداً فكرياً شاقاً، والتزاماً بقواعد المنطق، ومواجهة للحس النقدي الصارم الذي قد يجبر الإنسان على التخلي عن أفكار مريحة أو قناعات متوارثة. يمثل العقل في نظر الكثيرين أداة "جافة وباردة" قد تكشف زيف الأوهام.
هنا يأتي الهروب إلى "القلب" كآلية دفاع نفسية. يبدو القلب في التصور الإنساني الشائع أقرب للرحمة والإنسانية، وأكثر وداعة من صرامة العقل. إنه الملاذ الآمن الذي يتيح للشخص تمرير ما يحب، ورفض ما يكره، تحت لافتة "الارتياح النفسي"، بعيداً عن أي استحقاق برهاني.
العاطفة متخفيةً في رداء الحقيقة
في المحصلة، إن تلك البوصلة القلبية المزعومة ليست سوى انصياع أعمى للعواطف البشرية؛ حباً وكراهية. وتتجلى هذه العاطفة في صور متعددة:
انتماء أعمى: لعقيدة دينية، أو جماعة سياسية، أو عرقية، حيث يُرفض أي نقد عقلي لها بحجة "عدم ارتياح القلب".
انحياز تأكيدي: ميل الإنسان الفطري لتصديق ما يوافق هواه ورغباته، وتسمية هذا الهوى "بصيرة قلبية".
عشق وغرام: يغيب فيه المنطق تماماً لصالح تدفق الهرمونات، ويُبرر الشغف الأعمى بأنه "اختيار القلب".

خلاصة القول: إن تقديس "القلب" كأداة معرفية هو تبرير رومانسي للانحيازات الشخصية والعواطف الذاتية. إن الوعي الإنساني الحقيقي يتطلب شجاعة النزول عند أحكام العقل وفحص الأمور بمعايير المنطق والعلم، والاعتراف بأن القلب رفيق بيولوجي مخلص لجسدك، لكنه أعمى تماماً عن رؤية الحقيقة.