غزة التي في خاطري تستغيث


عدنان الصباح
الحوار المتمدن - العدد: 8638 - 2026 / 3 / 6 - 14:47
المحور: مواضيع وابحاث سياسية     

لم تكن غزة يومًا خارج حسابات الصراع الدائر في المنطقة، ولم تغب لحظة عن أهداف القرار الأمريكي الإسرائيلي في التصعيد الجاري ضد إيران ولبنان. بل إن غزة، على العكس من ذلك، تبدو في قلب هذا المشهد المضطرب، بوصفها الحلقة الأكثر هشاشة، والأكثر عرضة لأن تُترك وحيدة في مواجهة أقسى ظروف الحصار والعدوان.
فما يجري اليوم لا يقتصر على حرب هنا أو مواجهة هناك؛ إنه إعادة تشكيل لمعادلات المنطقة، تُستغل فيها الحرب لتعميق مأساة غزة وتكريس عزلتها. ويتم ذلك عبر ثلاث وسائل واضحة: أولها ترك القطاع لمصيره، وثانيها مواصلة الحصار وتوسيعه حتى يبلغ أقصى درجات الخنق، وثالثها ترسيخ شعور لدى الفلسطينيين بأن العالم قد أغلق صفحته معهم نهائيًا.
وإذا ما ترسخت هذه القناعة، فإن النتيجة ستكون خطيرة: إطلاق يد الاحتلال في كامل الأرض الفلسطينية، ولا سيما في الضفة الغربية. حينها لن يثير تهويد الضفة ضجيجًا كبيرًا، ولن يتوقف أحد طويلًا عند محاولات فرض وقائع جديدة في المسجد الأقصى، ولن يلفت الانتباه تشديد الحصار على غزة إلى حدوده القصوى.
إن الرسالة التي يجري تعميمها اليوم في الإقليم واضحة وصارمة: كل من وقف إلى جانب غزة سيدفع الثمن، وكل من رفض الانخراط في حربها أو المشاركة في خنقها لن يكون بمنأى عن العقاب. وقد بدأت آثار هذه الرسالة تتجلى في أكثر من ساحة، من لبنان إلى اليمن، مرورًا بدول حاولت الحفاظ على مسافة من الصراع.
حتى الدول التي أدت أدوار الوساطة أو سعت إلى تخفيف حدة الحرب لم تسلم من التداعيات. فالقواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في المنطقة، والتي كانت تُقدَّم بوصفها مظلة حماية، تحولت إلى عبء ثقيل على الدول المضيفة، إذ أصبحت هدفًا مباشرًا للضربات ومصدرًا دائمًا للتوتر. كما انعكست الأزمة على قطاعات حيوية، مثل إنتاج الطاقة والممرات البحرية التي تشكل شريانًا رئيسيًا للتجارة العالمية.
وقد طالت آثار هذه التطورات دولًا عدة في المنطقة. فـالإمارات العربية المتحدة والبحرين، المشاركتان في اتفاقيات أبراهام، وجدتا نفسيهما ضمن دائرة التداعيات. وحتى الكويت وسلطنة عُمان، اللتان حاولتا الابتعاد عن الاستقطاب، لم تكونا بمنأى عن تأثيرات الصراع.
أما السعودية، التي سعت مع فرنسا وغيرها إلى بلورة مخرج سياسي شامل للقضية الفلسطينية يفتح الطريق نحو السلام، فقد وجدت نفسها بدورها في قلب التوترات. وكذلك الحال مع قطر، التي حملت عبء الوساطة طوال الحرب على غزة، وهي اليوم تدفع أثمانًا سياسية واقتصادية كبيرة. ولم تكن تركيا بمنأى عن هذه التداعيات، وإن بدرجات متفاوتة.
غير أن أخطر ما تواجهه غزة اليوم لا يتمثل فقط في الحصار أو في اتساع رقعة الحرب، بل في ما يمكن تسميته الترك الإعلامي والسياسي. فغزة تكاد تغيب عن نشرات الأخبار وعن النقاشات السياسية، كما لو أنها لم تعد جزءًا من الصورة الكبرى. حتى في التحليلات الاستراتيجية التي تملأ الشاشات، تغيب غزة والقدس عن الوعي العام، وكأنهما لم تعودا ضمن معادلات الصراع.
ومن يتابع حجم الجرائم المرتكبة في لبنان يدرك أن الاحتلال لم يتخلَّ عن الأهداف التي أعلنها منذ هجوم السابع من أكتوبر وما تلاه، وأن ما يجري اليوم ليس إلا امتدادًا لذلك المسار، وإن اتخذ أشكالًا مختلفة.
في ظل هذا المشهد، يصبح من الضروري أن تتحرك القوى الدولية والإقليمية التي تعلن رفضها لسياسات الولايات المتحدة وإسرائيل، وأن تسعى إلى مقاربة شاملة تعالج أزمات المنطقة كحزمة واحدة، تشمل القضية الفلسطينية إلى جانب القضايا اللبنانية واليمنية والعراقية والسورية.
وقد تكون اللحظة الراهنة مناسبة لمبادرة دولية واسعة. فكل من الصين وروسيا، إلى جانب دول أخرى مثل مصر وتركيا وباكستان، تستطيع أن تدفع باتجاه تحرك سياسي عاجل قبل فوات الأوان.
وقد يبدأ ذلك بدعوة مجلس الأمن الدولي إلى الانعقاد لإقرار وقف شامل لإطلاق النار في المنطقة، تمهيدًا لمؤتمر سلام إقليمي أو دولي يعالج الأزمات المتشابكة التي تعصف بالعالم اليوم.
في أزمنة التحولات الكبرى، لا تُعاد صياغة موازين القوى في المنطقة فحسب، بل تُعاد أيضًا صياغة أولويات العالم واهتماماته. وغالبًا ما تكون القضايا التي لا تجد من يدافع عنها بقوة على الطاولة الدولية هي أول ما يدفع ثمن هذه التحولات.
اليوم تنشغل المنطقة والعالم بمواجهة مفتوحة أو محتملة مع إيران، وتتوزع الاهتمامات بين أمن الممرات البحرية وأسواق الطاقة وترتيبات النفوذ الإقليمي. وفي خضم هذا الضجيج السياسي والعسكري، تتراجع القضية الفلسطينية خطوة بعد خطوة إلى هامش المشهد الدولي.
لكن تجاهل فلسطين، أو التعامل مع ما يجري في غزة بوصفه تفصيلًا ثانويًا في صراعات المنطقة، لن يصنع استقرارًا حقيقيًا. فالقضية الفلسطينية كانت دائمًا في قلب معادلات الشرق الأوسط، وأي محاولة لتجاوزها أو تأجيلها لن تؤدي إلا إلى إنتاج أزمات جديدة أكثر تعقيدًا.
وإذا ما انتهت المواجهات الجارية وفق الرؤية التي تدفع بها الولايات المتحدة وإسرائيل، فإن الخطر الحقيقي قد يبدأ بعدها، عندما تتحول الساحة الفلسطينية إلى ميدان لفرض وقائع سياسية وجغرافية جديدة، مستفيدة من انشغال العالم وتبدل أولوياته.
ولهذا فإن إعادة وضع القضية الفلسطينية في صلب اهتمام العالم لن يجعلها مجرد مطلب سياسي، بل ضرورة لحماية استقرار المنطقة والعالم.
ففي زمن يعاد فيه رسم خرائط القوة والنفوذ في الشرق الأوسط والعالم، لا ينبغي أن يبقى الصوت الفلسطيني وحيدًا في مواجهة الصمت الدولي فهل هناك من يسمع استغاثتها ويحرص على ربط قضية غزة وفلسطين بسائر القضايا الأكثر اهتماما فغزة التي في خاطري تستغيث