أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - عبد الأمير رحيمة العبود - قراءة في كتاب -مذكرات نصير الجادرجي-















المزيد.....



قراءة في كتاب -مذكرات نصير الجادرجي-


عبد الأمير رحيمة العبود
الحوار المتمدن-العدد: 5653 - 2017 / 9 / 28 - 22:32
المحور: سيرة ذاتية
    


- القسم الأول-
صدر عن دار المدى في بغداد في عام 2017 كتاب للأخ نصير كامل الجادرجي، بعنوان مذكرات نصير الجادرجي، والكتاب يتكون من خمسة فصول كبيرة تضمنتها 494 صفحة.
وعلى وجه الإجمال يتميز الكتاب بما يلي:
1- أنه يتصف بالمتعة، ما أن يبدأ المرء بقراءته حتى يجد نفسه منشداً للاستمرار.
2- أنه يعبر بصراحة كاملة عما كان يميز شخصية المؤلف من حالة التمرد والسلوك الاقتحامي على ما كان لا يرتضيه من ظواهر اجتماعية وسياسية طيلة فترة طفولته وحتى منتصف السبعينيات عندما اعتزل العمل السياسي.
3- يستعرض الكتاب جوانب كثيرة غير معروفة لدى القارئ عن النشاط السياسي للحزب الوطني الديمقراطي. وكذلك نشاط قادته، وبخاصة رئيسه الأستاذ كامل الجادرجي.
4- يلقي المؤلف في كتابه هذا الضوء على جوانب ونشاطات سياسية غير معروفة حصلت بعد عام 2003، وبخاصة ما كان يدور في مجلس الحكم، وعلاقات الأخ نصير بقادة الأحزاب السياسية آنذاك.
***
في بداية الفصل الأول يصف لنا الأخ نصير المنطقة الراقية التي عاش فيها خلال طفولته في شارع طه والأسلوب الحضاري والحياة المترفة القريبة من نمط الحياة الغربية المعاصرة التي كانت تعيشها عائلته آنذاك.
ثم يتحدث عن حالة التمرد التي هيمنت على سلوكه منذ فترة الطفولة والتي كانت تتجلى من خلال إهماله لمتطلبات التعليم في المدرسة الإبتدائية وانقطاعه عن مواصلة الدراسة فيها. وهو يصف لنا ذلك في الصفحة 48 بالعبارات التالية:
"ولم أكن وحدي متمرداً في تلك الفترة من حياتي، بل نشأت وسط جيل ساخط على الأوضاع متمرد عليها، حيث كانت أجواء بغداد تشير إلى ولادة جيل من الشباب المتمرد على واقعه من كل جانب، لكنه ليس بالمنفلت".
وقد اشتدت حالة التمرد هذه في عام 1948 من خلال مشاركته النشيطة بالمظاهرات الصاخبة عند اندلاع الوثبة الجماهيرية، حيث تلقى إنذاراً رسمياً من إدارة مدرسته بسبب تحريضه للطلبة على المساهمة في المظاهرات.
وما إن حصلت انتفاضة عام 1952 التي اقترنت بانتشار المظاهرات المناهضة للحكومة مطالبة بسقوطها في كافة المدن العراقية، حتى كان الأخ نصير من بين الشباب البارزين والمؤثرين في نشاط تلك المظاهرات في بغداد وهو ما تسبب في صدور أمر إلقاء القبض عليه وهو في مرحلة الصف الثالث المتوسط.
***
وبعد أن يستعرض لنا المؤلف جوانب كثيرة من الحياة الاجتماعية في بغداد آنذاك، مع الإشارة إلى تعرض بغداد إلى الفيضان عام 1954 يستعرض لنا بشكل مفصل الصراع الذي حصل في مطلع عام 1954 بين الحكومة العراقية من جهة والأحزاب السياسية الوطنية المعارضة حول الانتخابات بخاصة بعد تشكيل حكومة أرشد العمري بتاريخ 29/4/1954 والتي كانت لها مواقف معادية لتطلعات الشعب العراقي، هذا الصراع الذي تمخض عن حصول الاتفاق بين كل من قيادي الحزب الوطني الديمقراطي وحزب الاستقلال وممثلي الحزب الشيوعي على دخول الانتخابات وفقاً لتطلعاتهم الوطنية المشتركة.
وكانت نتيجة المشاركة بهذه الانتخابات هي فوز ممثلي هذه الأحزاب الوطنية المعارضة بإحدى عشر مقعداً في البرلمان العراقي من مجموع أعضاء البرلمان البالغ عددهم آنذاك مائة وخمس وثلاثون عضواً، إلا أن هذا البرلمان الجديد لم يجتمع سوى جلسة واحدة بتاريخ 26/7/1954.
وبعدها دب الخوف بين أركان النظام الحاكم من إمكانية تأثير هذه النخبة المعارضة على مستقبل البرلمان والأوضاع السياسية بشكل عام.
ولهذا شكلت حكومة جديدة برئاسة نوري السعيد بتاريخ 3/8/1954 والتي قامت على الفور بحل البرلمان، واتخاذ العديد من الإجراءات التعسفية كإلغاء العديد من الصحف والنقابات وإسقاط الجنسية عن معتنقي المبادئ الشيوعية، وفصل عدد كبير من الموظفين، إضافة إلى إدخال العراق في حلف بغداد الذي يشمل كل من العراق وبريطانيا وتركيا وباكستان وإيران.
وقد رافق هذه التحولات السياسية العراقية غليان الجماهير العربية بمشاعرها القومية والوطنية المعادية للاستعمار وبروز دور الرئيس جمال عبد الناصر في التأثير على تلك الجماهير بعد قيامه بتأميم قناة السويس، واتساع نشاط أجهزته الإعلامية المعادية للعراق.
ويبدوا أن هذه الأجواء السياسية، كما يقول الأستاذ نصير قد أحدثت تغييراً كبيراً في تفكير ومواقف أكثرية الشباب العراقيين الذين ما عادوا يقتنعون بإمكانية تحقيق الإصلاح بالطرق الديمقراطية التقليدية التي يدعو لها كل من الحزب الوطني الديمقراطي وحزب الاستقلال، بل زاد إيمانهم بضرورة التوجه نحو الحلول الثورية تلك التي كان يدعو لها كل من الحزب الشيوعي وحزب البعث العربي الإشتراكي عبر قلب نظام الحكم بالقوة.
وهكذا أصبح الأخ نصير عضواً نشيطاً في الحزب الشيوعي العراقي منذ ربيع عام 1955 وطيلة هذه الفترة تميزت نشاطاته بالروح الاقتحامية والقيام بالنشاطات الخطيرة تنفيذاً لتوجهات الحزب الشيوعي.
ويظهر أن هذه الفترة والتي امتدت لغاية 14 تموز من عام 1958 قد شهدت الغليان السياسي في الشارع العراقي، كما تميزت بتطرف السلطة السياسية الحاكمة في إجراءاتها القاسية والعنيفة تجاه ممثلي التيارات الوطنية المعارضة التي تمخصت عن زج آلاف السياسين بالسجون ومن ضمنهم أبرز المثقفين وأصحاب الكفاءات لأسباب تافهة أحياناً، كما تضمنت إصدار الحكم على الأستاذ كامل الجادرجي وإيداعه السجن بتاريخ 29/12/1956 لمجرد إرساله برقية احتجاج على الموقف اللاقومي للحكومة العراقية.
وعلى الطرف الثاني كانت المناهج والشعارات السياسية التي كانت تنادي بها الأحزاب السياسية في تلك المرحلة وبصورة خاصة الحزب الشيوعي وحزب الاستقلال وحزب البعث العربي الاشتراكي ترجح استخدام الثورة والعنف كوسيلة لتغيير النظام، وكانت شعارات الحقد والكراهية والانتقام تتغلب على شعارات البناء والحوار واحترام القانون والنظام. وفي خضم هذه الأجواء السسياسية الملتهبة صدرت الأوامر لاعتقال الأستاذ نصير لأكثر من مرة، واعتقل أخيراً في ديسمبر عام 1956 وأرسل إلى معتقل السعدية الذي قضى فيه ثلاثة أشهر بصحبة العديد من المثقفين العراقيين.
لكنه بعد خروجه من الاعتقال سافر إلى القاهرة في شهر آب 1957 لإكمال دراسته الثانوية.
وخلال إقامته في القاهرة تمكن من اجتياز الامتحانات والحصول على شهادة الثانوية بفترة قصيرة نسبياً، وخلال تلك الفترة قرر تجميد علاقته بالحرب الشيوعي بعد امتناعه عن تنفيذ أحد قراراته إلا أنه بعد فترة وجيزة من إعلان ثورة 14 تموز 1958 عاد إلى العراق ليمارس نشاطه السياسي تحت ظل الجمهورية العراقية الجديدة.
***
والآن لو أردنا تقييم الحكم الملكي في العراق منذ بدايته ولغاية ثورة 14 تموز 1958 ينبغي أن لا نغفل أسلوب التطور التدريجي الذي حصل والجوانب الإيجابية الكثيرة التي شهدت النور خلال تلك المرحلة، والتي نستخلص منها بأن تلك المرحلة كانت مرحلة جيدة في تاريخ العراق المعاصر من الناحية الاقتصادية وتكرر المحاولات لبناء أسس دولة حديثة وهو ما كان يتناقص مع ما كان يحصل في النهج السياسي من ممارسات قمعية.
لقد تمخضت تلك المرحلة عن انتخاب البرلمان لمرات عديدة، ووجود العديد من الأحزاب السياسية المعارضة، وانتشار الصحف، وحتى السياسة الاقتصادية فبالرغم من شحة الموارد الاقتصادية أقيمت قاعدة جيدة من البنى الارتكازية من الطرق والمواصلات والمدارس والمستشفيات، وحينما ازدادت موارد النفط في مطلع الخمسينات خصصت أغلب موارده لإقامة المشاريع التنموية التي كان يشرف على إنجازها مجلس الأعمار.
لم يكن ما حصل من الإجراءات السياسية والاقتصادية نموذجياً لكننا عند تقييم مثل تلك السياسات ينبغي أن نقيمها في ضوء الإمكانيات المادية والمالية المتاحة في حينه، وكذلك في ضوء المرحلة التي كانت تطبق خلالها وهي مرحلة الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي، ومقارنتها مع ما كان يحصل في الدول المجاورة والدول النامية آنذاك.
صحيح أن العراق كان تابعاً لإنكلترا تربطه بها عقود جائرة حول استثمار النفط وقد فرض عليه الارتباط بحلف بغداد والكتلة الاسترالينية وكل هذه الأمور كانت تحول دون استقلاله سياسياً واقتصادياً، وأن غالبية الشعب كانت تعاني من الفقر.
لكن تغيير تلك الأوضاع كان من الممكن أن تحصل بالوسائل السلمية والديمقراطية التي تعتمد البناء والحوار واحترام النظام والقانون، بدلاً من استخدام الأساليب الثورية وشعارات الحقد والكراهية والعنف والإقتتال.
ولو أثرنا السؤال التالي، كما يذكر ذلك الأخ نصير في الصفحات 190-191 من كتابه هل كان يحصل ما حصل؟ "لو أُتيح لبعض الشخصيات السياسية التي ساهمت في الحكم أن يتصرفون حسب اجتهادهم كالدكتور فاضل الجمالي، والسادة عبد الوهاب مرجان، وعبد الكريم الأزري وأحمد مختار بابان ونديم الباججي وضياء جعفر وكثيرين غيرهم.
كان من الممكن لتلك الأسماء أن تلعب دوراً إيجابياً جيداً في تخفيف الاحتقان، وأن يتفاهموا بشكل ما مع المعارضة المعتدلة لإطلاق بعض الحريات الصحفية وتأليف الأحزاب السياسية والمنظمات المهنية، وإجراء انتخابات تمكن لوجوه جديدة من الوصول إلى البرلمان أو إلى الحكم، وتعمل من أجل التقارب العربي وإنهاء عزله الحكومة العراقية خارجياً وشعبياً بعد سنة 1954 ولغاية سنة 1958.
إن الكثيرين من شخصيات العهد الملكي كانت كفوءة مهنياً ونزيهة وذات مستوى علمي جيد ولها رؤى وتطلعات حديثة متنورة، ولكن لو فسح لها المجال للعمل بحريتها لتجنب العراق الكثير من المتاعب التي حصلت ولا زلنا نعاني منها حتى الآن، حيث كان الكثير منهم رجال دولة بالمفهوم السياسي والإداري ولم يفسح لهم المجال جرّاء السياسة الخاطئة والمتزمتة التي اتبعت آنذاك.
***
- القسم الثاني-
في الفصل الثاني يتحدث لنا الأستاذ نصير عن ذكريات وأحداث كثيرة عايشها خلال 1958-1968 يستعرضها بأسلوبه الشيق الممتع، منها عمله كمحامي بعد تخرجه من كلية الحقوق والذي حقق فيه نجاحاً جيداً، وكذلك علاقته مع العديد من المثقفين العراقيين، كالشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري، وعالم الاجتماع الدكتور علي الوردي، وكذلك اشتراكه مع الصديق طالب البغدادي بحضور مزادات السلع الفنية والأثرية وما رافقها من محاضرات ومناقشات ثقافية ثم يتحدث عن زواجه بالسيدة أميرة الرفيعي بتاريخ 17/8/1961 وكيف أنجز إجراءات ذلك الزواج بناءً على منطلقات تمرده في ذلك الوقت على الطقوسس السائدة، حيث أقام إجراءات ذلك الزواج بدون احتفالات، فعند إنجاز عقد الزواج ذهب مع زوجته إلى القاضي معتبراً مقدم الزواج دينار عراقي واحد، ومؤخره دينار واحد أيضاً، ولإنجاز تقاليد العرس ذهب مع زوجته إلى كردستان لأسبوع واحد ليفاجئ العائلة والأصدقاء بأنه أكمل طقوس الزواج، وكان هدفه أن يقدم نموذجاً متواضعاً للشباب الذي لا تتوافر لديهم الإمكانيات المالية لإقامة مراسيم الزواج الباهضة.
وبعد ذلك يتحدث لنا الأستاذ نصير عن وفاة والده الأستاذ كامل الجادرجي مشيراً إلى جوانب كثيرة من حياته ودوره وتأثيره على المجتمع العراقي، ويصف لنا التشييع المهيب لجثمانه في ذلك الحين، والاحتفال الكبير الذي أقيم لتأبينه والذي شارك فيه عدد كبير من السياسيين والمثقفين العرب والعراقيين، وألقيت فيه كلمات كثيرة تحدثت عن شخصيته وتأثيره على المجتمع العراقي منها كلمة السيد كمال جنبلاط رئيس الحزب التقدمي اللبناني، والقيادي المصري خالد محي الدين والأديب المصري يوسف السباعي وكثيرين غيرهم.
***
ومما هو مثير للنقاش في هذا الكتاب هو حديث الأستاذ نصير عن شخصية الزعيم عبد الكريم قاسم، فهو بعد أن يؤكد لنا وطنيته ونزاهته وسياسته غير الطائفية، فهو يتحدث لنا عن المكاسب الكبيرة والكثيرة التي تحققت للشعب العراقي خلال العامين والنصف من حكمه اعتباراً من 14 تموز 1958 كإصدار الكثير من القوانين والتشريعات المهمة لصالح الشعب العراقي بضمنها قانون الإصلاح الزراعي الذي أنصف الفلاحين وقانون الأحوال المدنية الذي أنصف المرأة العراقية وتوزيع الأراضي على الفقراء في مدينة الثورة والشعلة وانتهاجه سياسة الحياد الإيجابي والتعاون مع الدول الاشتراكية وإصدار قانون رقم 80 لعام 1961 الذي استعاد 99% من الأراضي العراقية من سيطرة شركات النفط الأجنبية لصالح الدولة العراقية، وكذلك دعوة الملا مصطفى البرزاني للعودة من منفاه إلى بلده العراق وغير هذه من الإجراءات التي أشار إليها الأستاذ نصير في الصفحات 240-242 من كتابه.
إلا أنه يعود ويذكرنا بما حصل خلال العامين الأخيرين من حكمه حينما قام الزعيم عبد الكريم قاسم بمحاربة الفئات السياسية التي كانت تناصره كالحزب الشيوعي والحزب الوطني الكردستاني، وقيامه بضم الكويت إلى دولة العراق، وكذلك قيامه بتجريد الضباط المؤيدين له من سلطة اتخاذ القرار، ومنحه مواقع قيادات الفرق العسكرية، والمناصب المهمة والحساسة، إلى الشخصيات المعادية له وللنظام الجديد (انظر الصفحات 242-243 من الكتاب ذاته).
***
أنا لا أريد أن أناقش هذه الإجراءات لأنها قد حصلت كما أشيع فيما بعد، لكنني أود أن أشير إلى دور الأحزاب والهيئات السياسية الفاعلة آنذاك في حصول هذا الخلل، فنحن لا ننسى دور الحزب الشيوعي واندفاعه في السيطرة على المجتمع العراقي دون حكمه وتروي خلال المرحلة الأولى من قيام الثورة مما تسبب في تفشي الفوضى وأعمال العنف في بغداد وكافة المحافظات العراقية والتي أشار الأستاذ نصير إلى صورة مصغرة منها في الصفحات 212-215 من كتابه هذا.
كما أن موقف قيادات الحزب الوطني الديمقراطي باستثناء الأستاذ محمد حديد لم يكن إيجابياً وبناءً في دعم الحكم الجديد واحتضانه وبصورة خاصة موقف الأستاذ كامل الجادرجي الذي لم يكن راضياً على استمرار ممارسة السلطة من قبل العسكريين.
وكان موقفه هو الابتعاد عن المشاركة في دعم الزعيم عبد الكريم قاسم وتوجيهه، وقد يلقي الضوء على ذلك اللقاء الطويل الذي طلبه عبد الكريم قاسم من الأستاذ كامل الجادردي والذي أشار إليه الأستاذ نصير في الصفحات 228-235 الضوء على ذلك.
ولا يخفى موقف حزبي الاستقلال وحزب البعث العربي الاشتراكي الذي تميز بالعداء والمقاومة لحكومة عبد الكريم قاسم بعد فترة وجيزة من قيام الثورة بسبب تأييدها لطموح الرئيس جمال عبد الناصر في تحقيق الوحدة العربية بقيادته والسعي لضم العراق إلى إجراءاته مباشرة بعد قيام الثورة بدلاً من الاتحاد الفيدرالي الذي كان الزعيم عبد الكريم قاسم يدعو إليه بالاشتراك مع الأحزاب الأخرى المتضامنة معه.
ومن كل هذا يتضح لنا بأن عبد الكريم قاسم لم يكن هو الوحيد المسؤول عن انهيار ثورة 14 تموز وإنما كان لكافة الأحزاب السياسية العراقية العاملة آنذاك دور في ذلك.
***
يتحدث لنا لأستاذ نصير فيما بعد كيف تلقى خبر حصول انقلاب 8 شباط 1958 والرعب والاضطهاد والقسوة المفرطة والتعذيب والقتل الذي نفذ في أغلب المتعاونين في حكم عبد الكريم قاسم وغيرهم من عناصر القوى السياسيية من الشيوعيين والديمقراطيين والمثقفين على اختلاف أصنامهم، وكان نصير كامل الجادرجي من بين المعتلقين الذي تعرضوا لصنوف الإهانة والتعذيب عندما قضى فترة أكثر من ثلاثة أشهر في الاعتقال.
***
في الفصل الثالث يتحدث السيد نصير عن فترة سيطرت البعثيين على الحكم خلال الفترة 1968-2003 والتي وضع لها عنوان "الحياة تحت ظلال خيمة سوداء" حيث هيمن الرعب والعوز واليأس والقتل على مختلف فئات الشعب العراقي طوال هذه الفترة. وفي مطلع هذه الفترة اتخذ الأستاذ نصير قراره بالابتعاد عن النشاط السياسي كما ورد في الصفحة 307 كما يلي:
"لذلك آثرت الانزواء بعيداً عن الأضواء متفرغاً لشؤوني الخاصة سواءً ممارسة المحاماة أو في العمل الزراعي والمشاريع الصناعية" وكان من بين ما حصل خلال هذه الفترة قيام خير الله طلفاح خال صدام حسين بتهديم الدار التي بناها نصير في بستانه المطل على نهر دجلة في منطقة الفحامة في أيلول 1969 دون عذر مشروع.
وكذلك قيام سلطات صدام حسين باعتقال المهندس المعماري المعروف الأستاذ رفعة كامل الجادرجي الأخ الأكبر للأستاذ نصير بتاريخ 16 كانون الثاني عام 1978 وإيداعه السجن لفترة عامين ذاق خلالها صنوف الإهانة والإيذاء دون أسباب مشروعة، وقد أفرج عنه بتاريخ 20 آب 1980 بسبب الحاجة إلى خبرته المعمارية عند القيام بالحملة تمهيداً لعقد قمة عدم الانحياز والتي لم تعقد فيما بعد.
وما إن حل عام 1980 حتى قام صدام حسين بإشعال فتيل الحرب العراقية الإيرانية والتي استمرت لثمانية أعوام حل خلالها الدمار والتخريب في كافة المحافظات العراقية.
ولم تمض فترة طويلة على توقف الحرب العراقية الإيرانية حتى قام صدام حسين بمغامرة احتلال الكويت دون أن يحسب لردود الأفعال الإقليمية والدولية أي حساب، وكانت النتيجة كما هو معروف هي قيام الدول المتحالفة بقيادة والولايات المتحدة الأمريكية بشن حرب ضروس في عام 1991 شملت بالتدمير كافة المناطق العراقية وما فيها من كيانات حضارية، وكانت النتيجة هي تمزيق الجيش العراقي واستسلامه والموافقة على كل مطالب الحلفاء ثمناً لبقاء صدام حسين بالسلطة، وتبع ذلك ما عاناه الشعب خلال تسسع سنوات من آثار الحصار القاسية التي فرضت على الشعب العراقي.

- القسم الثالث-
في الفصل الأخير من هذا الكتاب يتحدث الأستاذ نصير عن جوانب كثيرة حصلت بعد تغيير النظام في 2003.
في البداية يتحدث عن حماسهم هو ونخبة من أنصار الحزب الوطني الديمقراطي منذ شهر حزيران 2003 في سبيل استثمار الوقت من أجل بعث النشاط في الحزب الوطني الديمقراطي من جديد.
وعقب ذلك بأيام قليلة طلبت اللجنة الخماسية المكونة من جلال طالباني ومسعود البرازاني وأحمد الجلبي وإياد علاوي وعبد العزيز الحكيم من نصير الجادرجي الانضمام إلى مجموعتهم والتي راحت تعمل بعد انضمام إبراهيم الجعفري إليهم من أجل تكوين مجلس وطني يقوم بالإشراف على حكم البلاد خلال فترة الاحتلال.
ويبدوا أن اختيار السيد نصير الجادرجي ضمن هذه المجموعة قد جاء نتيجة لكونه أحد الشخصيات المعروفة من الحزب الوطني الديمقراطي، وبسبب علاقته الوثيقة بالعديد من قادة المعارضة وبخاصة علاقته الوثيقة بالأستاذ جلال الطالباني التي لم تنقطع منذ السبعينيات.
يقول السيد نصير في الصفحة 142 من كتابة هذا بأن السيد جي كاردنر الحاكم المؤقت لقوات التحالف في حينه قد عرض عليه في حزيران 2003 بأن يصبح حاكماً على بغداد ولكنه رفض ذلك.
في كل الأحوال اكتمل تأسيس مجلس الحكم بتاريخ 13/7/2003 وأصبح عدد أعضاءه خمس وعشرون عضواً تم اختيار أغلبهم من قبل قوات التحالف على أسس طائفية دون أخذ رأي اللجنة السباعية لكنه في الصفحة 363 يصف لنا الأجواء التي كانت تخيم على اجتماعات مجلس الحكم "على الرغم من أن بعض الأعضاء لم يكونوا مؤهلين من ناحية الكفاءة إلا أن جلسات مجلس الحكم الانتقالي كانت تتم في غاية الديمقراطية والأدب مع قبول مختلف الآراء".
والجدير بالذكر هو أن اختيار أعضاء مجلس الحكم وكذلك اختيار مجلس الوزراء ووكلاء الوزراء فيما بعد بناءً على الأسس الطائفية والعرقية قد مهد السبيل لتطبيق نظام المحاصصة الذي ابتليت به الدولة العراقية منذ ذلك الوقت وحتى الآن، وكانت من نتائجه ما نعانيه الآن من تفشي الفساد وتردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.
كما كان لإلغاء الجيش العراقي من قبل بريمر في ذلك الحين وضمور دور الشرطة دور كبير في غياب الأمن وظهور العديد من الأعمال الإرهابية التي تمخضت عن اغتيال "سرجي دي ميلو" ممثل الأمم المتحدة والسيد محمد باقر الحكيم وعقيلة الهاشمي ثم استفحالها فيما بعد.
لم يتناول الأستاذ نصير في كتابه هذا الحديث بشكل مفصل عن نشاطات وإنجازات مجلس الحكم، وكيف كان يمارس دوره في إدارة دفة الحكم، بخاصة فيما يتعلق بالشؤون الأمنية والمالية، والمشاكل التي كان يعاني منها المجتمع العراقي في كافة المحافظات باستثناء حديثه عما كان يجري خلف الكواليس من مفاوضات وتفاهمات بين أعضاء مجلس الحكم ودور الوساطة والمبادرة التي كان يقوم بها السيد نصير لحل تلك المشاكل وتحقيق التوافقات بخاصة حول ما حصل عند منناقشة كيفية اختيار أعضاء مجلس الوزراء وقانون إدارة الدولة الانتخابي وكيفية إجراء الانتخابات والصراع الذي حصل حول اختيار رئيس البلاد بعد إصرار الأحزاب الكردية والشيعية على رفض اختيار عدنان الباججي لهذا المنصب والاتفاق على اختيار غازي الياور لهذا المنصب.
***
بتاريخ 17/5/2005 تم الإعلان عن إعادة إحياء نشاط الحرب الوطني الديمقراطي من خلال مؤتمر موسع شهدته قاعة نادي العلوية حضرة أكثر من خمسمائة شخصية سياسية، وعقب ذلك أفتتح مقر للحزب في كرادة مريم، وفي أواخر حزيران 2004 صدر العدد الول من جريدة صوت الأهالي.
وفيما يتعلق بنشاط الحزب الوطني الديمقراطني فقد شهدت الأعوام الأولى من ظهور النظام الجديد إقبالاً كبيراً ومتزايداً على الانتماء للحزب الوطني الديمقراطي والمشاركة في نشاطاته سواءً في بغداد أو في بقية المحافظات، وكانت اللقاءات والتجمعات التي يعقدها الحزب تتسم بالإقبال والازدحام الشديد من قبل المثقفين ومختلف النخب العراقية.
لكن هذا الإقبال بدأ بالضمور التدريجي خلال السنوات اللاحقة، ومن بين الأسباب الرئيسية لذلك التراجع هو عجز قيادة الحزب عن توفير الأموال اللازمة لسد متطلبات الانفاق على مقرات الحرب في بغداد وبقية المحافظات، وقد شملت هذه الظاهرة بقية الأحزاب الديمقراطية العلمانية كتجمع الديمقراطيين المستقلين والحركة الاشتراكية القومية، وكانت نتيجة ذلك التراجع هي قيام الحزب الوطني الديمقراطي بتجميد نشاطاته منذ عام 2013.
***
وفي ختام هذا الفصل بودي أن أحاور الأستاذ نصير حول موضوعين لم يشر إليهما في كتابه هذا.
الأول يتعلق بأسباب ضمور دور القوى الديمقراطية العلمانية في الساحة السياسية العراقية وطغيان دور الأحزاب الدينية والعرقية فيها.
وللحديث عن هذا الموضوع ينبغي باعتقادي التذكير بالتعاون وتنسيق العمل السياسي الذي حصل في عام 2003 فيما بين كل من الحرب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الشيوعي العراقي والحزب الوطني الديمقراطي وتجمع الديمقراطيين المستقلين والحركة الاشتراكية العربية، وهي الأحزاب التي تجمعها الكثير من جوانب الالتقاء في الأهداف والتطلعات السياسية الديمقراطية العلمانية السليمة.
وقد بذلت في حينه محاولات عديدة بقصد الوصول إلى صيغة من العمل الجبهوي السياسي المشترك الذي يوثق جوانب الالتزام فيما بينها والوصول إالى شكل من أشكال التكتل السياسي الذي يوحد مواقفها إزاء الأحداث السياسية، ويتحدث باسمها إزاء التنظيمات السياسية الأخرى ووسائل الإعلام.
إلا أن تلك المحاولات لم تتكلل بالنجاح بسبب موقف الحزبين الكرديين المشار إليهما أعلاه الذين فضلا التحالف مع الأحزاب الدينية الشيعية في سبيل كسب الأكثرية في البرلمان العراقي وتحقيق ما تصبوان إليه من طموحات قومية. (يراجع كتابنا عندما كنت وزيراً، دار دجلة- عمان2012 الصفحات 223-226).

وهو ما اضطر الأحزاب الديمقراطية العلمانية الأخرى إلى الدخول في الانتخابات التي حصلت آنذاك بقوائم منفردة، دون التهيئة لها من الناحية الفنية بسبب ضعف إمكانياتها المالية والفنية، وكانت النتجية هي إخفاق تلك الأحزاب الديمقراطية العلمانية في تحقيق المكاسب في تلك الانتخابات.
ومنه يظهر بأن ابتعاد الحزبين الكرديين عن التحالف مع بقية الأحزاب الديمقراطية العلمانية، وتفضيلها التحالف مع الأحزاب الدينية الشيعية منذ ذلك الوقت واستمراراها لسنين عديدة فيما بعد كان أحد الأسباب الرئيسية لضمور دور الأحزاب الديمقراطية. ولو لم يحصل ذلك لكانت أمامنا الآن كتلة سياسية قوية هي كتلة القوى الديمقراطية العلمانية في الساحة السياسية والاجتماعية العراقية.
***
والموضوع الثاني حول ما ينبغي أن يحصل بعد قرار تجميد الحزب الوطني الديمقراطي لنشاطاته.
الأستاذ نصير يكتفي بالتفاؤل حول ظهور جيل جديد في المستقبل سوف يعمل على إتمام رسالة الرواد الأوائل في تحقيق التطلعات الديمقراطية عبر فكر الحزب الوطني الديمقراطي (انظر الصفحة 420).
يعني هذا إقفال كافة الأبواب لحين ظهور هذه الآمال والأحلام، وهو على ما أعتقد تطلع يخلو من استمرار التضحية من أجل تحقيق التطلعات السياسية للحزب الوطني الديمقراطي.
أنا أعتقد ينبغي أن يمارس من تبقى من قادة هذا الحزب ومن بقي من أعضاءه ومحبيه بعض النشاطات التي تساعد على استمرار ممارسة هذا الحزب لدوره السياسي والاجتماعي.
ومنها على سبيل المثال التحري عمن تبقى ممن يمتلك الإيمان بمبادئ الحزب الوطني الديمقراطي والحفاظ على اسمه الذين يتصفون بالنزاهة والطموح لتحقيق تطلعاته، ومنحهم راية الحزب واختيار قياداته حسب تطلعاتهم واكتفاء القادة الأوائل من كبار السن بدعم هؤلاء وتشجيعهم وإذا تعذر ذلك فينبغي أن لا يخيم السكوت المطلق عما يحصل في الساحة السياسية والذي يسبب النسيان لهذا الحزب العريق وتاريخه، بل ينبغي على قادة الحزب التعبير عن بعض المواقف التي تذكر الآخرين بمبادئ هذا الحزب العريق كالقيام بالاحتفالات التي تذكر الآخرين بمواقف هذا الحزب والإعلان عنها.
أو إصدار البيانات من بعض شخصيات هذا الحزب التي توضح موقفهم من بعض الأحداث السياسية أو الاجتماعية التي تحصل بين آونة وأخرى.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- أزمة الديون الدولية أبعادها وآثارها على دول العالم


المزيد.....




- أمين عام عصائب الحق: نرفض سياسة التكريد كما رفضنا التعريب بن ...
- بعد معركة الرقة.. أين اختفى البغدادي؟
- اشتباكات بين القوات العراقية والبيشمركة عند طريق كركوك-أربيل ...
- اكتشاف تمثال خشبي عمره آلاف السنين في مصر
- بوش ينتقد ترامب ضمنيا ويندد بـ -التنمر والاضطهاد- في عهده
- كلمة لافروف في مؤتمر حظر الانتشار النووي
- القوات التركية تنشئ أول نقطة مراقبة في إدلب
- واشنطن تتهم حرس الثورة الإيراني بالاتجار بالمخدرات من أفغانس ...
- "قضية واينستين": شرطة لوس أنجليس تحقق في مزاعم اعت ...
- بغداد تنتقد الاتفاق بين حكومة كردستان و"روسنفت" ال ...


المزيد.....

- قراءة في كتاب -مذكرات نصير الجادرجي- / عبد الأمير رحيمة العبود
- سيرة ذاتية فكرية / سمير امين
- صدی-;- السنين في ذاكرة شيوعي عراقي مخضرم / زكي خيري
- صدى السنين في كتابات شيوعي عراقي مخضرم / زكي خيري, اعداد سعاد خيري
- مذكرات باقر ابراهيم / باقر ابراهيم
- الاختيار المتجدد / رحيم عجينة
- صفحات من السيرة الذاتية 1922-1998 / ثابت حبيب العاني
- ست محطات في حياتي / جورج طرابيشي
- لن يمروا... مذكرات / دولوريس ايباروري (لاباسيوناريا)ه
- عزيزة حسين رائدة العمل الاجتماعي - حياة كرست لصناعة الامل وا ... / اتحاد نساء مصر - تحرير واعداد عصام شعبان - المنسق الاعلامي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - عبد الأمير رحيمة العبود - قراءة في كتاب -مذكرات نصير الجادرجي-