كلمة في الذكرى الستين لاستشهاد الرفيق فرج الله الحلو


حنا غريب
الحوار المتمدن - العدد: 6297 - 2019 / 7 / 21 - 09:11
المحور: الشهداء والمضحين من اجل التحرر والاشتراكية     

كلمة الأمين العام للحزب الشيوعي اللبناني الرفيق حنا غريب

في الذكرى الستين لاستشهاد الرفيق فرج الله الحلو



منتصب القامة أمشي، مرفوع الهامة أمشي. هكذا مشى ثائراً، متمرداً، شجاعاً وبطلاً، وقف وقالها يوم خيانته امام جلاديه: انا هو فرج الله الحلو: لن أبوح لكم بكلمة، لن أقدم لكم شيئاً مما تريدون، وظل على موقفه حتى استشهد تحت الضرب والتعذيب الوحشي. دفنوا جسده الطاهر، ثم عادوا تحت ضغط المطالبة بالإفراج عنه لا خفاء جريمتهم، فنقلوا جثته وقاموا بتذويبها بالحامض (الأسيد)، أذابوا جثة القائد فكيف لهم ان يذيبوا تاريخ هذا الرمز وهذه الملحمة في البطولة والفداء في تاريخ شعبنا وحزبنا؟

ستبقى هذه الجريمة وصمة عار على عهود الاستبداد والظلم والأنظمة التي تتفنن ولم تزل في استخدام شتى اشكال الارهاب والقمع وادواته. واليوم اذ نحيي ذكراه بعد مرور ستين عاما على استشهاده، فذلك عهدا ووفاء له وللقضية التي آمن بها واستشهد من أجلها، قضية التحرر الوطني والتقدم الاجتماعي وبناء الاشتراكية.

قالها فرج الله الحلو في 27 /11/1943: سيكون هذا الساحل العربي منبت حركة وطنية جديدة أكثر وعياً وأسلم فحوى تحتل مكانا في الطليعة بين الحركات الوطنية في الأقطار العربية الشقيقة، قالها بعد انتصار شعبنا في معركة الاستقلال الذي كان له دور بارز في تحقيقه مع رفاقه في قيادة الحزب، هذا الدور الذي يبقى حاضراً في تاريخ لبنان وشعبه، مهما حاولت السلطات السياسية المتعاقبة تغييب دور الحزب في هذه المعركة الوطنية الكبرى.

وكما قالها فرج الله في الخارج، قالها في الداخل، في التنظيم الحزبي وعن قناعة تامة في موقفه السياسي المختلف عن السائد لاسيما في الموقف من تقسيم فلسطين فقمع وظلم وتمت الإساءة اليه، وكان للمؤتمر الثاني ونهج التجديد فضل في إعادة الاعتبار إليه ولنهجه في السياسة والتنظيم.

وفي احياء هذه الذكرى، دروس وعبر لا بدّ من التوقف عندها لنستفيد من إيجابياتها بمناسبة التحضير للمؤتمر الثاني عشر للحزب، ربطاً بما نتصوّره عن رؤيتنا للمستقبل التي ينبغي أن تقدّم إجابات على العديد من الموضوعات ذات الطابع الفكري والسياسي والتنظيمي المرتبطة بتجربة الحزب التاريخية، من خلال قراءة نقدية لرؤية الحزب وبرنامجه وممارسته السياسية، ومن منطلق الحرص على إعادة صياغة برنامجه السياسي وفق قراءة علمية لطبيعة الصراع المحتدم في العالم بشكل عام وفي منطقتنا بشكل خاص وللمتغيرات الطبقية والاجتماعية والسياسية التي استجدّت في لبنان والمنطقة. برنامج يرسم خارطة الطريق التي تربط مهام التغيير ببناء الاشتراكية المنشودة، كي نفي فرج الله وكل شهداء الحزب وتضحيات الرفاق حقهم في هذه الظروف الراهنة.

ان ما جرى ويجري من فلتان أمني، ومن تعطيل حكومي، ومن انهيار مالي ونقدي وشيك، يتحمل مسؤوليته السياسية بالدرجة الأولى المتمسكون بنظام المحاصصة المذهبية والفساد السياسي، وبخاصة أولئك المراهنون على استخدامه لتنفيذ مشاريع خارجية مشبوهة، ولو عن طريق تفجير الوضع الأمني من أبواب الكانتونات والفدراليات المذهبية.

لم يتغير شيء في تعاطي هذه السلطة الحاكمة رغم كل المخاطر المحدقة بمصير البلد ووجوده، سلطة دأبت على تقديم الولاء لها من خلال جعل اللبنانيين زبائن لها أو أزلاماً يموتون بالاقتتال الطائفي والمذهبي او بالفقر والتجويع ودفعهم للهجرة إلى الخارج،

نحن اليوم امام حكومة التعطيل العاجزة عن معالجة أبسط القضايا التي يعاني منها اللبنانيون، عمالاً وموظفين ومعلمين ومتقاعدين وشباباً ونساء وطلاباً، على صعيد الرواتب والأجور وخدمات الماء والكهرباء والسكن والنقل وفرص العمل والتعليم الرسمي النوعي وغير ذلك من خدمات.

بالأمس أقر المجلس النيابي مشروع الموازنة وكرّس النموذج الاقتصادي الريعي رغم خطر الانهيار المالي والنقدي الذي تسبب به هذا النموذج؟ فماذا يعني ذلك؟ انه يعني:

أولاً: إن هذه الموازنة، موازنة غير إصلاحية وهي استمرار للسياسات الاقتصادية – الاجتماعية السابقة من خلال اتباع سياسة التقشّف والخصخصة وتصفية مؤسسات الدولة وزيادة الضرائب غير المباشرة كضريبة الـ 3% على المستوردات، وتحميل الطبقات العاملة والوسطى تكاليف تلك الأزمات وتبعاتها الاجتماعية المريرة في تسريع الانهيار المالي والنقدي، وتلك جريمة سياسية موصوفة تنفذها هذه السلطة الفاسدة عن سابق تصور وتصميم.

ثانيا: الشكوك الكبيرة حول الأرقام المتوقعة من الأبواب الضريبية المعلنة ومن الأرقام التي ستتحقق فعلا على ارض الواقع، وبالتالي هناك شكوك حول تمكن الحكومة من تخفيض خدمة الدين العام مما سيسرع الانهيار أيضا.

ثالثاً: الابقاء على مزاريب الهدر والفساد مع بقاء محميات المحاصصة لنهب المال العام وهدره، حيث أعلنها بالأمس رئيس الحكومة في دعوته للمساواة عند نقاش موازنة أجيرو ومجلس الانماء والاعمار، كلنا بالهوا سوى، وصندوق مقابل صندوق، وما حدا أحسن من حدا.

رابعا: لن يتمكنوا من تخفيض خدمة الدين العام في حين كبريات المصارف تعرض 14% فوائد على الدولارات الوافدة من الخارج، ما يعني انهم لا يجدون وسيلة لجذب الدولارات إلى البلد الا عبر رفع الفائدة والبلد متعطش للدولار والتحويلات لم تعد كافية وهو عمليا في حال افلاس غير معلن، وفي حال تم جذب هذه الدولارات بهذه الفائدة المرتفعة فذلك سينعكس زيادة في خدمة الدين العام، لأن المصارف ستطلب فائدة أعلى من الـ 15%. كي توافق على الاكتتاب في سندات الخزينة.

وإذا كان الحزب قد لعب دورا بارزا في مواجهة هذه السياسة عبر التحركات والتظاهرات التي قام بها مباشرة ام عبر الحراك الشعبي للإنقاذ ام عبر القطاعات والروابط التي تحركت دفاعا عن حقوقها والتي خففت من شراسة الهجمة ولو بشكل محدود وجزئي الا ان المعركة لم تنته، فهي مستمرة ومفتوحة على عناوين متعددة يأتي في مقدمها: أولاً، بناء الدولة الوطنية الديمقراطية القائمة على اتباع سياسات اقتصادية جديدة تؤدي إلى انهاء نمط الاقتصاد الريعي وبناء اقتصاد انتاجي متقدم. وثانياً، إعادة توزيع الدخل والثروة من الريع الرأسمالي نحو العمل المنتج، وثالثا، تعديل النظام الضريبي باتجاه تصاعدي على أرباح الريوع المصرفية والعقارية ومن الأملاك البحرية والنهرية

نحن نشهد بدايات حراك شعبي، يتطلب توسيعه وتجذير شعاراته في المناطق والقطاعات كافة، من هنا ندعو كل القوى الوطنية والنقابية والشعبية الحريصة على إنقاذ لبنان للعمل معاً وتعبئة كل الطاقات الشعبية للتحرك وصولاً إلى انتاج موازين قوى جديدة تفرض انتقال اللبنانيين من دولة المزارع والمحسوبيات إلى الدولة الوطنية والديمقراطية على طريق بناء الاشتراكية التي تجسد حلم وقيم فرج الله الحلو، حلم كل الثائرين الشيوعيين والوطنيين والديمقراطيين. وسنبقى نناضل رافعين معاً راية فرج الله الحلو راية حزبه العظيم، سنمضي سنمضي إلى ما نريد وطن حر وشعب سعيد.